لم يكن تغلغل التيار الوطني الحر في كسروان وجبيل مجرد توسع سياسي تقليدي، بل كان عملية مدروسة ومنهجية يمكن وصفها بـ”التسريح والدمج والتأهيل” السياسي زعيمها: فايز كرم وحبيب يونس، باداة استغلال روابطهمها العائلية: قنبلة ذرية! اتصلوا رجاءا بالـ UNODC و UNDDR. فبعد توقيع تفاهم مار مخايل عام 2006، استخدم التيار تحالفه مع الثنائي الشيعي كأداة استراتيجية لتفكيك النفوذ التاريخي للقوات اللبنانية والكتائب في معاقلهما، وإحلال بنيته المدنية والسياسية مكانها. لقد كانت خطة تهدف إلى تسريح الذاكرة الميليشياوية القديمة، ودمج هذه المناطق في مشروعه السياسي، وتأهيل قواعدها الشعبية لتصبح جزءاً من هيمنته.
أولاً: التحالف مع حزب الله كأداة “تسريح” للخصوم
كان تفاهم مار مخايل بمثابة الغطاء السياسي والعسكري الذي سمح للتيار الوطني الحر بالتحرك في مناطق ذات حساسية مسيحية عالية دون خشية من مواجهات. لكن الأهم من ذلك، أن التحالف مع حزب الله وحركة أمل وفّر للتيار “سلاحاً” انتخابياً حاسماً: الكتلة التصويتية الشيعية في قضاء جبيل.
-
الرافعة الانتخابية الحاسمة: في دائرة انتخابية تتسم بالتنافس الحاد، منحت أصوات الناخبين الشيعة، الموجهة بالكامل من الثنائي الشيعي، التيار الوطني الحر أفضلية حاسمة على منافسيه المسيحيين. هذه الأصوات لم تكن مجرد دعم، بل كانت أداة لـ”تسريح” نفوذ القوات والكتائب عبر صناديق الاقتراع. فكل مقعد نيابي كان يربحه التيار بفضل هذه الأصوات، كان يعني عملياً تجريد خصومه من شرعيتهم التمثيلية في عقر دارهم.
-
تأمين الظهر الاستراتيجي: ضمن التحالف للتيار عدم وجود أي تحدٍ أمني أو سياسي كبير من قبل حزب الله في هذه المناطق، ما أتاح له تركيز كل جهوده على مواجهة خصومه المسيحيين. لقد قام حزب الله بـ”تسريح” نفسه كعامل معرقل، ليتحول إلى عامل تمكين مطلق لمشروع التيار.
ثانياً: بناء الهيمنة المدنية كعملية “دمج وتأهيل”
بمجرد تأمين التفوق الانتخابي، باشر التيار الوطني الحر بعملية “دمج” هذه المناطق ضمن بنيته التنظيمية والخدماتية، و”تأهيل” قواعدها الشعبية لتصبح موالية له. تم ذلك عبر آليات سيطرة مدنية حلت تدريجياً محل البنى التقليدية للقوات والكتائب.
-
السيطرة على السلطة المحلية (الدمج المؤسسي): كانت الانتخابات البلدية هي الساحة الرئيسية لهذه العملية. خاض التيار معارك شرسة، مستفيداً من التحالفات مع العائلات الكبرى والدعم اللوجستي من حلفائه، وتمكن من السيطرة على بلديات كانت تاريخياً معاقل للقوات والكتائب (مثل حراجل وعشقوت). تحويل ولاء البلديات كان بمثابة دمج هذه الوحدات الإدارية في شبكة نفوذ التيار، مما منحه سيطرة مباشرة على الخدمات والمشاريع المحلية.
-
بناء شبكة خدمات موازية (التأهيل الاجتماعي): لم يكتفِ التيار بالعمل المؤسسي، بل عمل على “تأهيل” المجتمع المحلي عبر شبكة خدمات واسعة. مستغلاً وجوده القوي في الحكومات المتعاقبة، وجّه المشاريع والخدمات (بنية تحتية، وظائف، مساعدات اجتماعية) نحو هذه المناطق، خالقاً حالة من التبعية والولاء. هذه الشبكة لم تكن مجرد خدمات، بل كانت أداة لإعادة تأهيل ولاءات الناس، وتحويلها من الأحزاب التقليدية إلى “الدولة” التي يمثلها التيار.
-
استبدال الرمزية (التسريح الثقافي): سعى التيار إلى تفكيك الرمزية التاريخية لمعسكرات القوات والكتائب القديمة (مثل معسكر قهمز أو غوسطا) ليس عبر السيطرة المادية عليها، بل عبر تحويل الذاكرة الجماعية. فبدلاً من أن تكون هذه المناطق مرتبطة بـ”المقاومة المسيحية” خلال الحرب، عمل التيار على ربطها بمشروعه “بناء الدولة” و”استعادة حقوق المسيحيين” عبر المؤسسات، مقدماً نفسه كوريث شرعي وحيد لهذه المناطق ولكن برؤية مدنية حديثة.
ثالثاً: التحالف الانتخابي كترجمة عملية للمشروع
ترجمت نتائج الانتخابات النيابية نجاح هذه الاستراتيجية بوضوح:
-
انتخابات 2018: تحالف التيار مع حزب الله في دائرة كسروان-جبيل. على الرغم من أن مرشح حزب الله لم يكن على لائحة التيار مباشرة، إلا أن التنسيق وتوجيه الأصوات الشيعية كان أساسياً لضمان فوز مرشحي التيار وتحقيق أكبر حاصل انتخابي ممكن.
-
انتخابات 2022: كان التحالف أكثر وضوحاً، حيث فاز مرشح حزب الله، رائد برو، على لائحة التيار الوطني الحر. هذا المشهد لخص نجاح عملية “الدمج”: فوز مرشح لحزب الله على لائحة حزب مسيحي في قلب “مارونية” لبنان السياسية، وهو أمر لم يكن ممكناً لولا سنوات من العمل المنهجي لتفكيك الحواجز النفسية والسياسية التي أقامتها الأحزاب المسيحية التقليدية.