تركيا كقوة إقليمية صاعدة: كيف يعيد تراجع إيران تشكيل الهوية العلمانية والمسار الأوروبي

التحولات الجيوسياسية الحالية، التي تتميز بالانهيار التاريخي لنفوذ إيران والصراعات المحتدمة على الطاقة، لا تدفع تركيا نحو تبني النموذج العلماني الأوروبي. بل على العكس، هي توفر “العاصفة المثالية” لأنقرة، بقيادة حزب العدالة والتنمية (AKP)، لترسيخ دورها كقوة سنية مهيمنة جديدة في المنطقة، مما يسرّع من تحول جذري في هويتها الوطنية وعلاقاتها الدولية.

1. ملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلفته إيران:
مع الانهيار المتوقع لمحور المقاومة الإيراني، خاصة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، فقدت طهران جسرها الحيوي إلى المتوسط. استغلت تركيا هذا الفراغ ببراعة، لتنتقل من مجرد لاعب إقليمي إلى وريث محتمل للنفوذ الإيراني. يتم ذلك عبر تعزيز وجودها العسكري في سوريا وبناء “تقارب سني جديد” مع المملكة العربية السعودية، حيث توفر أنقرة القوة العسكرية والدبلوماسية مقابل الدعم المالي والاقتصادي من الرياض.

2. الإخوان المسلمون كأداة أيديولوجية وجيوسياسية:
يمثل حزب العدالة والتنمية، بجذوره الفكرية العميقة في حركة “مللي غوروش” وتحالفه الوثيق مع الإخوان المسلمين، المحرك الأيديولوجي لهذا الطموح. لم تعد تركيا مجرد ملاذ آمن للإخوان، بل أصبحت تستخدمهم كأداة استراتيجية لتوسيع نفوذها، كما يتضح من دعمها لحماس والحكومات الموالية للإخوان في ليبيا.

3. إعادة تعريف العلمانية والهوية الوطنية:
داخلياً، تترجم هذه الطموحات إلى تفكيك ممنهج للعلمانية الأتاتوركية. فمن خلال خطوات رمزية قوية مثل رفع الحظر عن الحجاب وتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، لا يقوم الحزب الحاكم بإلغاء العلمانية بقدر ما يعيد تعريفها. النموذج الجديد هو “الإسلام القومي” (Islamic Nationalism)، الذي يدمج القومية التركية مع هوية إسلامية أوسع، ويصور تركيا كقائدة للأمة الإسلامية. هذا النموذج يحل محل حلم الانضمام إلى أوروبا، الذي استُخدم في الماضي كأداة لتفكيك نفوذ النخبة العلمانية القديمة قبل أن يتم التخلي عنه.

 
الخلل في التوازن الإقليمي لا يفرض على تركيا العودة إلى المسار الأوروبي، بل يمنحها الشرعية والحرية لفرض نموذجها الخاص. بدلاً من دولة علمانية على النمط الغربي، نشهد بزوغ “تركيا الجديدة”: قوة إقليمية ذات هوية إسلامية-قومية واضحة، وسلطة مركزية قوية، وسياسة خارجية مستقلة تستفيد من التنافسات الدولية. هذا التحول العميق يعيد تشكيل مستقبل الديمقراطية في تركيا وعلاقاتها المتوترة مع الغرب بشكل دائم.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …