المشهد الجديد: عالم ما بعد انهيار إيران

انهيار النظام الإيراني والعقوبات المتزامنة على تركيا وروسيا لا يعيدان تشكيل الشرق الأوسط فحسب، بل يغيران قواعد اللعبة بالنسبة لأوروبا. في هذا السياق، يصبح التنافس والتقاطع بين تركيا والسعودية هو المحور الرئيسي لتحديد مستقبل المنطقة، حيث يُستخدم الدين والنفط كأدوات لفرض رؤى متنافسة.

أولاً: تركيا – العزلة الغربية والطموح الأوراسي

العقوبات المفروضة على تركيا (بسبب علاقاتها مع روسيا، صفقة S-400، سياساتها في المتوسط، وسجل حقوق الإنسان) لا تدفعها للرضوخ والعودة إلى الحظيرة الأوروبية، بل تعزز لديها قناعة استراتيجية بأن مستقبلها يكمن في كونها قوة مستقلة في قلب أوراسيا.

  1. الطلاق القيمي مع أوروبا: لم تعد عملية الانضمام للاتحاد الأوروبي هدفاً استراتيجياً حقيقياً لأنقرة. العقوبات الغربية تُصوَّر داخلياً على أنها “حصار” يستهدف نهضة تركيا، مما يغذي الخطاب القومي-الإسلامي الذي يروج له الحزب الحاكم. هذا يعمق الفجوة القيمية مع أوروبا حول الديمقراطية، العلمانية، وحقوق الإنسان.

  2. الزواج المصلحي مع روسيا: العقوبات تخلق مصالح مشتركة بين أنقرة وموسكو. كلاهما يسعى لتقويض الهيمنة الأمريكية وإنشاء نظام عالمي متعدد الأقطاب. رغم تنافسهما في سوريا وليبيا والقوقاز، إلا أنهما يتقنان فن إدارة الصراع والتعاون التكتيكي. هذا التحالف يرسخ موقع تركيا كقوة “غير غربية”.

  3. الدين كأداة للهوية والسيطرة الداخلية: في مواجهة الضغوط الخارجية، يستخدم النظام التركي الدين كأداة أساسية لـ “إخضاع” الداخل وتوحيده. يتم ذلك عبر:

    • الهوية الإسلامية-القومية: تقديم تركيا كزعيمة للعالم السني وحامية للمسلمين المظلومين عالمياً.

    • مؤسسة الديانة (Diyanet): استخدامها كذراع للدولة لفرض نسخة موحدة من الإسلام السني الحنفي، وتهميش الأقليات (مثل العلويين)، وتشكيل جيل جديد موالٍ للدولة ورؤيتها.

    • الخطاب السيادي: أي نقد من أوروبا يتم تصويره على أنه “إسلاموفوبيا” أو “عداء لتركيا”، مما يحصن النظام ضد الضغوط الديمقراطية.

ثانياً: السعودية – انفتاح اجتماعي وانغلاق سياسي

خطوات الانفتاح التي يقودها الأمير محمد بن سلمان (رؤية 2030) ليست تحولاً نحو الديمقراطية الليبرالية على النمط الأوروبي، بل هي عملية تحديث سلطوية تهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية محددة.

  1. استبدال الشرعية الدينية بالشرعية القومية-الاقتصادية: تاريخياً، كانت شرعية آل سعود تستند إلى تحالفهم مع المؤسسة الدينية الوهابية. اليوم، يسعى محمد بن سلمان لتهميش هذه المؤسسة واستبدالها بشرعية جديدة تقوم على:

    • القومية السعودية: تعزيز الهوية الوطنية السعودية أولاً وقبل كل شيء.

    • الإنجاز الاقتصادي: مشاريع ضخمة مثل “نيوم” وتحويل الاقتصاد بعيداً عن النفط.

    • الانفتاح الاجتماعي المراقب: السماح بالحفلات، السينما، وقيادة المرأة للسيارة كصمام أمان اجتماعي ولجذب الاستثمارات والسياحة.

  2. الدين كأداة للإخضاع الناعم: لم تتخل السعودية عن الدين، بل أعادت توظيفه. بدلاً من تصدير الوهابية، يتم الآن تقديم “إسلام معتدل” خاضع بالكامل لسلطة الدولة. الهدف هو نزع الطابع السياسي عن الإسلام وجعله شأناً فردياً يخدم أهداف الدولة ولا يعارضها. أي صوت ديني معارض يتم قمعه بشدة.

  3. النفط كأداة للنفوذ العالمي: السعودية تستخدم ثروتها النفطية ليس فقط لتمويل تحولها الداخلي، بل أيضاً لبناء نفوذ عالمي جديد. هذا النفوذ لم يعد أيديولوجياً (دينياً) بل أصبح براغماتياً (اقتصادياً واستثمارياً).

ثالثاً: التقاطع والصدام: الدين والنفط في الساحة الجديدة

مع انهيار إيران، يبرز التنافس بين النموذجين التركي والسعودي على زعامة العالم السني. هذا ليس مجرد صراع نفوذ، بل هو صراع على “روح الإسلام السني” في القرن الحادي والعشرين.

المقارنة النموذج التركي (الإسلام القومي) النموذج السعودي (التحديث السلطوي)
أداة الدين أداة تعبئة أيديولوجية: يستخدم لتجييش المشاعر الشعبية داخلياً وخارجياً (الإخوان، المظلومية). أداة سيطرة إدارية: يستخدم لضبط المجتمع وضمان الولاء للنظام الحاكم.
الهدف الخارجي الزعامة الشعبية للأمة الإسلامية: خطاب موجه للشعوب والجماعات الإسلامية. الزعامة الرسمية للعالم الإسلامي: خطاب موجه للدول والحكومات عبر القوة الاقتصادية.
المحرك الرئيسي القوة الصناعية-العسكرية والشبكات الأيديولوجية. الثروة النفطية والاستثمارات الضخمة.
العلاقة بالغرب صدامية وتنافسية. شراكة استراتيجية براغماتية (أمن مقابل طاقة).

الخلاصة: موقع تركيا النهائي

في هذا المشهد، موقع تركيا ليس أوروبياً على الإطلاق. بل هي ترسخ نفسها كـ:
“قطب حضاري مستقل” يرفض الانضواء تحت أي محور غربي أو شرقي.

  1. بعيدة عن أوروبا: العقوبات والتباعد القيمي يجعلان من فكرة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي أمراً من الماضي. ستظل العلاقة قائمة على المصالح الحتمية (التجارة، الهجرة، الأمن)، لكنها ستكون علاقة شراكة صعبة ومضطربة، وليست علاقة اندماج.

  2. منافس للسعودية: ستكون السعودية حليفاً تكتيكياً لتركيا في مواجهة بقايا النفوذ الإيراني، لكنها ستكون المنافس الاستراتيجي الرئيسي على النفوذ في العالم السني. السعودية تقدم نموذج “الإسلام الهادئ” المدعوم بالمال، بينما تقدم تركيا “الإسلام الديناميكي” المدعوم بالقوة العسكرية والأيديولوجيا.

  3. الدين كأداة إخضاع جيوسياسي: في النهاية، كلا القوتين تستخدمان الدين كأداة مركزية للسلطة. السعودية تستخدمه لإخضاع مجتمعها وضمان استقرار نظامها الملكي أثناء التحديث. وتركيا تستخدمه لإخضاع معارضيها وتعبئة أنصارها خلف مشروعها التوسعي.

النتيجة هي شرق أوسط جديد لا تقوده أيديولوجيا ثورية (كالخمينية) بل قوميات سلطوية تتنافس فيما بينها باستخدام الدين والمال كأدوات رئيسية، وأوروبا تراقب هذا المشهد بقلق، محاولة إدارة تداعياته بدلاً من تشكيله.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …