إمبراطورية “تيفاني” وفخ هرمز: كيف تُهندس واشنطن الشرق الأوسط بالدم والمال؟

تتجاوز الديناميكيات الحالية في الشرق الأوسط حدود الصراع التقليدي بين الدول، لتكشف عن هندسة جيوسياسية عميقة تتداخل فيها طموحات النفوذ العالمي مع مصالح “اقتصاديات العائلة”. في قلب هذا المشهد، تبرز استراتيجية أمريكية معقدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تستخدم النيران المشتعلة في المنطقة لإعادة رسم خرائط القوة، وخنق التمدد الصيني، وإخضاع الحلفاء، مع بناء جدار حماية جيوسياسي يؤمّن شبكات الاستثمار والنفوذ المرتبطة بعائلته.

خنق الصين في مصيدة “هرمز”

تُشكل التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز ومياه الخليج ورقة ضغط استراتيجية كبرى تهدف واشنطن من خلالها إلى إثبات محدودية النفوذ الصيني. تعتمد استراتيجية بكين “الرأسية” على التمدد من القطب الشمالي مروراً بآسيا والشرق الأوسط وصولاً إلى إفريقيا، في محاولة لربط العالم عبر مبادرة “الحزام والطريق”. غير أن الصين، التي تستورد الجانب الأكبر من احتياجاتها النفطية عبر الخليج، تظل منكشفة عسكرياً وعاجزة عن حماية خطوط إمدادها البحرية خارج محيطها المباشر.

تستغل واشنطن هذا الضعف عبر التلويح المستمر بخطر إغلاق المضيق، في رسالة قاسية لدول الخليج مفادها أن بكين مجرد “شريك تجاري” لا يمتلك أي مظلة أمنية بديلة قادرة على حماية صادرات الطاقة. الهدف هنا هو تحويل الاستقرار الذي تنشده الصين إلى فوضى، مما يقطع شريان الطاقة عن “المصنع العالمي” ويجبر بكين على التراجع، تاركاً إياها محاصرة اقتصادياً.

إيران.. المطرقة التي تعيد تشكيل المنطقة

لا يُفهم الضغط الأمريكي على إيران عبر عمليات الاغتيال العميقة والمستمرة كهدف بحد ذاته لإنهاء النظام، بل كأداة وظيفية. يتم استخدام طهران كـ “مطرقة” لاستفزازها ودفعها نحو أقصى درجات التهور، مما يرفع منسوب الخوف الإقليمي. هذا التصعيد المتعمد يخدم غرضين أساسيين: الأول، تدمير بيئة الاستثمار والاستقرار التي تحتاجها الصين. والثاني، وضع دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، كـ “سندان” يُطرق عليه لتذكيرها بأن طموحاتها في الاستقلالية الاقتصادية والتسعيرية لا يمكن حمايتها دون الرضوخ الأمني الكامل لواشنطن.

الورقة السعودية: النفط الصخري وإمبراطورية ترامب

في مواجهة هذا الابتزاز الأمني، تجد السعودية نفسها أمام تحدٍ وجودي يهدد “رؤية 2030″، التي تعتمد أساساً على تدفقات النفط النقدية وجذب الاستثمارات الآسيوية. ولمنع واشنطن من تحويل الخليج إلى ساحة استنزاف أو منطقة “احتراق” أمريكية-صينية، تملك الرياض أوراقاً مضادة قوية. تتمثل إحدى هذه الأوراق في استخدام تحالف “أوبك+” لشن حرب أسعار، مستعينة بالخام النيجيري الخفيف والمماثل للنفط الصخري الأمريكي، لإغراق الأسواق. هذه الخطوة قادرة على تدمير صناعة النفط الصخري التي تمثل حجر الزاوية في استراتيجية ترامب للهيمنة على الطاقة المستقلة، وإفشال ألاعيب التفاوض التي تحاول فصل سيادة “أرامكو” عن قراراتها الاستراتيجية.

إمبراطورية “تيفاني” وجدار الحماية الجيوسياسي

وسط هذا التشابك الاستراتيجي، يبرز بُعد آخر لا يقل خطورة: تحويل النفوذ الرئاسي إلى بنية حماية لمصالح العائلة. لم تعد “تيفاني ترامب” في هذه القراءة مجرد ابنة بعيدة عن مركز المشهد، بل تغدو رمزاً لتحول العائلة نفسها إلى بنية نفوذ تسعى إلى حماية امتداداتها المالية والعقارية عبر هندسة إقليمية قاسية. فبالتوازي مع الضغط على إيران، ومع السعي الأميركي الأوسع لاحتواء الصين وتثبيت الخليج داخل المظلة الأمنية الغربية، يظهر المشرق لا كساحة نزاع فقط، بل كجدار حماية جيوسياسي يُراد بناؤه بين الفوضى المسلحة وبين المجال الاستثماري الذي تدور حوله المصالح الجديدة.

وفي هذا المنظور، لا يُقرأ دعم قوى شيعية معارضة لنهج حزب الله أو لبعض الميليشيات العراقية باعتباره فعلاً ديمقراطياً خالصاً، بل كأداة لإنتاج حاضنة بديلة تسحب الشرعية من الشبكات المرتبطة بطهران، وتقطع الترابط بين ساحات “محور المقاومة”، وتمنع وصول النفوذ الإيراني أو ارتداداته إلى الخليج والمشرق الاستثماري.

اقتصاديات الخوف ومؤسسة السلالة

عندئذٍ تصبح إيران مطرقة لإعادة التشكيل، والخليج سنداناً تُفرض عليه ترتيبات الخوف، ولبنان والعراق جداراً عازلاً يفصل الجغرافيا المسلحة عن الجغرافيا المالية. هكذا لا تعود القوة الأميركية مجرد أداة دولة، بل تتحول، في أقسى صور هذا التحليل، إلى وسيلة لفتح الطريق أمام إمبراطورية عائلية محصنة بالحرب، ومسنودة باقتصاد الخوف، ومحمية بمجال سياسي أُعيد قصّه كي يخدم منطق الحماية والوراثة والنفوذ. أخطر ما في هذه الاستراتيجية الترامبية ليس فقط استهداف طهران أو تطويق بكين، بل إعادة قصّ المشرق كله ليصبح منطقة عازلة تحرس المصالح، وتُهندس الهويات السياسية، بما يحول الفوضى من تهديد للأعمال إلى أداة لحمايتها.

هل تعتقد أن دول المنطقة تمتلك الجرأة السياسية لتجاوز التناقضات وتشكيل تحالف إقليمي يمنع تحويل أراضيها إلى مسرح لحماية هذه المصالح العائلية والجيوسياسية الأمريكية؟

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …