خريف الأباطرة:بوير: واشنطن تغرق في “رمال” طهران.. وبكين تقود “انتقام الإمبراطوريات” من قلب الخليج

باريس – خاص | دخل الصراع في الشرق الأوسط مرحلة “التصعيد من أجل التصعيد”، عقب رفض طهران القاطع لخطة السلام المكونة من 15 نقطة التي عرضها دونالد ترامب. وفي قراءة استراتيجية معمقة، كشف الخبير الفرنسي ألان بوير أن المنطقة لم تعد تشهد مجرد نزاع إقليمي، بل تحولاً جذرياً في موازين القوى العالمية، حيث تبرز الصين كلاعب عسكري مباشر لأول مرة في مياه الخليج، بينما تواجه واشنطن استعصاءً عسكرياً غير مسبوق.

انقسام الأهداف: واشنطن تنشد “نزع السلاح” وتل أبيب تريد “إسقاط النظام”

أكد بوير أن هناك فجوة استراتيجية بدأت تظهر بين الحليفين؛ فالولايات المتحدة، بقيادة ترامب، تسعى لتحقيق “نصر دعائي” يتمثل في نزع سلاح إيران النووي والصاروخي لتعلن “الانتصار” وتنسحب. أما إسرائيل، فترى في الحرب معركة “وجودية” لن تنتهي إلا بالانهيار الكامل للنظام الإيراني. هذا التباين يمنح طهران فرصة للمناورة في “شطرنج الأكاذيب” الذي تتقنه ببراعة أمام “بوكر” ترامب.

“أكرنة” إيران: كيف تحولت طهران إلى “أوكرانيا الشرق”؟

في مفارقة تاريخية، يرى بوير أن إيران نجحت في “أكرنة” دفاعاتها (نسبة إلى أوكرانيا)؛ فهي تلعب دور المدافع الصامد بأسلحة رخيصة وفعالة ضد قوة عظمى (أمريكا وإسرائيل). وكشف بوير عن معلومات تقنية مذهلة:

  • ثورة الدرونات: طائرات “شاهد” لا تكلف 30 ألف دولار كما يُشاع، بل 6 آلاف دولار فقط، وتمتلك إيران عشرات الآلاف منها.

  • التفوق الصاروخي: تمتلك إيران خطوط إنتاج للصواريخ تفوق ما تمتلكه الولايات المتحدة حالياً، وقد نجحت في ابتكار منصات إطلاق “مخفية تحت الرمال” تجعل من المستحيل تدمير القدرة على الرد بضربة واحدة.

  • خطة الموزاييك: السلطة موزعة على 31 إقليماً بـ 27 موقع إنتاج عسكري مستقل، مما يجعل النظام “عصياً على الفناء” عبر القصف التقليدي.

بكين في الخليج: الكشف عن دعم عسكري صيني مباشر

لأول مرة، كشف بوير عن انخراط صيني عسكري يتجاوز الدعم السياسي:

  • وقود الصواريخ: أرسلت الصين 2000 طن من “بيركلورات الصوديوم”، وهو المكون الأساسي لتشغيل الصواريخ الإيرانية الثقيلة.

  • التواجد البحري: الصين حاضرة عسكرياً في الخليج لمراقبة وتحليل الأداء الأمريكي، استعداداً لساعتها الحاسمة في “تايوان”.

  • الاستثناء النفطي: بينما تعاني دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام من قيود طاقة حادة، تمر السفن الصينية في مضيق هرمز تحت حماية إيرانية وتفاهمات ضمنية، حيث تذهب 90% من صادرات إيران النفطية إلى بكين.

منظمة شنغهاي.. “ناتو” الإمبراطوريات القديمة

يرى بوير أن العالم يشهد “انتقام الإمبراطوريات القديمة”؛ الفارسية (إيران)، العثمانية (تركيا)، القيصرية (روسيا)، والإمبراطورية الصينية. هذه القوى تجمعت تحت مظلة “منظمة شنغهاي للتعاون” لتشكل تكتلاً موازياً ومنافساً لمجموعة السبع (G7).
ويوضح بوير: “بينما يرى الغرب العالم بشكل أفقي (تجارة وحدود)، تراه الصين بشكل رأسي (من القطب الشمالي إلى الجنوبي)”. وبينما يستعيد ترامب نفوذه في النصف الغربي من الكرة الأرضية (فنزويلا، الأرجنتين، تشيلي)، تلتهم الصين النفوذ في آسيا وأفريقيا، تاركةً أوروبا كـ “منطقة افتراس” اقتصادية بين القطبين.

فرنسا والرهان الهندي

في ظل هذا الانغماس الأمريكي في رمال إيران، أشار بوير إلى أن الرهان الوحيد المتبقي للغرب هو “الهند”. واعتبر أن التقارب الفرنسي الهندي (صفقات الرافال) هو الإنجاز الوحيد للسياسة الخارجية الغربية في العقدين الأخيرين، لخلق توازن ديموغرافي وعسكري ضد التمدد الصيني، رغم أن نيودلهي تمارس هي الأخرى “عدم الانحياز” وتتحدث مع الجميع.

الخلاصة: الحرب في إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي الفتيل الذي أشعل “التمرد الكبير” للإمبراطوريات الشرقية ضد الهيمنة الغربية، في صراع لن تقاس نتائجه بالساعات، بل بإعادة رسم خريطة العالم للعقود القادمة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …