“ترياق زيلينسكي” في قصر الشعب: كيف أصبحت أوكرانيا بوصلة السيادة السورية الجديدة؟

في مشهدٍ لخص حكايات الصراع والتحول، وقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمس في “قصر الشعب” بدمشق، مستقبلاً من قبل الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، في أول زيارة رسمية لرئيس أوكراني إلى سوريا منذ استئناف العلاقات بين البلدين. لم تكن هذه الزيارة مجرد لقاءٍ ديبلوماسي بروتوكولي، بل بدت إعلاناً سياسياً عن انتقال سوريا إلى تموضع جديد؛ فالمكان الذي ارتبط طويلاً بثقل النفوذ الروسي، استقبل هذه المرة خصماً مباشراً للكرملين، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. لقد تحول “موضوع أوكرانيا” من ملف أوروبي بعيد إلى عنصر حاضر في إعادة رسم توازنات دمشق، ومحرك إضافي لإعادة تعريف علاقة سوريا بموسكو، لا سيما بعدما اتسعت المباحثات لتشمل الأمن والدفاع والغذاء وإعادة الإعمار.

أولاً: “المقايضة العكسية”.. من وصاية المحتل إلى عقد المستأجر
لسنوات، تعامل الكرملين مع الجغرافيا السورية كأنها مجال نفوذ ثابت، وكورقة مساومة في صراعاته الكبرى. لكن زيارة زيلينسكي إلى دمشق تقلب المشهد الرمزي والسياسي معاً؛ إذ توحي بأن سلطة أحمد الشرع بدأت تمارس ما يمكن تسميته بـ “المقايضة العكسية”. فاستقبال الرئيس الأوكراني في دمشق، بعد استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لا يعبّر فقط عن انفتاح سياسي، بل يرسل أيضاً إشارة إلى أن سوريا الجديدة تريد تنويع شركائها وعدم حصر خياراتها في المظلة الروسية التقليدية.

لقد أدركت دمشق الجديدة أن روسيا، المنشغلة بحربها الطويلة في أوكرانيا، لم تعد تملك هامش الحركة ذاته الذي امتلكته في سنوات سابقة. وباستقبال زيلينسكي، يفرض الشرع على بوتين واقعاً مختلفاً: الوجود الروسي في سوريا لم يعد مسلّمة سياسية صامتة، بل أصبح موضع إعادة تقييم ضمن مفهوم أوسع للسيادة السورية. وتزداد دلالة هذه الرسالة حين تقترن الزيارة بحديث متزايد عن تعاون أمني وعسكري مباشر بين كييف ودمشق، بما يعني أن “الخبرة الأوكرانية” دخلت إلى فضاء كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره مجالاً حصرياً للنفوذ الروسي.

ثانياً: “ترياق المسيرات”.. الشرع يشتري مضادات السموم
عسكرياً، حملت زيارة زيلينسكي أبعاداً تقنية بالغة الأهمية. فالتصريحات الصادرة عقب اللقاء تحدثت بوضوح عن اتفاق على تعزيز التعاون الأمني والعسكري، مع تركيز خاص على مواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وهي نقطة تمنح الزيارة ثقلاً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية. هنا، لا يقدّم زيلينسكي لدمشق مجرد علاقة سياسية جديدة، بل يعرض خبرة عملية تراكمت لدى أوكرانيا خلال سنوات الحرب في اعتراض المسيّرات والتعامل مع الضربات الجوية المركبة.

ببساطة: الشرع يشتري “مضادات السموم” من زيلينسكي ليعالج بها ما تبقى من سموم المحور الروسي-الإيراني في الجسد السوري. وإن صحّ تحويل هذا التفاهم إلى برامج تدريب أو تنسيق تقني أو بنى دفاعية جديدة، فإن ذلك يعني أن دمشق تسعى إلى كسر احتكار موسكو لمعادلة الحماية الجوية، وإلى بناء قدرة مستقلة نسبياً على إدارة التهديدات. كما أن تداول تقارير عن اهتمام سوري بالخبرة الأوكرانية في الدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات يفتح الباب أمام انتقال نوعي في طبيعة الشراكة بين الطرفين.

ثالثاً: كسر احتكار القمح والقرار
اقتصادياً، لم تكن الحبوب والأمن الغذائي بنداً ثانوياً في المباحثات، بل أحد مفاتيح الزيارة. فقد أكدت تقارير متعددة أن الطرفين ناقشا التعاون في ملف القمح والغذاء، مع تأكيد أوكراني على الاستعداد للمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي في سوريا والمنطقة، وهو ما يمنح الزيارة بُعداً معيشياً يمسّ صميم الاستقرار الداخلي. ومن هنا، فإن فتح قنوات مباشرة مع كييف في مجال الحبوب والطاقة والبنية التحتية لا يعني فقط تنويع المورد الاقتصادي، بل يعني أيضاً تفكيك آلية التبعية السياسية التي كانت ترتبط بالغذاء والوقود والنقل.

هذا التحول مهم لأن “الرغيف السوري” لم يكن في السنوات الماضية مجرد مسألة تموين، بل جزءاً من ميزان النفوذ. واليوم، حين تناقش دمشق مع كييف مسارات توريد جديدة، ومجالات تعاون في إعادة الإعمار والطاقة، فإنها تكتب معادلة مختلفة: استقلال القرار يبدأ من استقلال الإمداد. ولهذا تبدو الزيارة، في بعدها الاقتصادي، محاولة لكسر احتكار مزدوج: احتكار الغذاء واحتكار القرار.

رابعاً: إعادة الإعمار بوصفها سياسة سيادية
لم تقتصر المحادثات على الأمن والغذاء، بل شملت أيضاً إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة، وهي ملفات تكشف أن دمشق لا تريد من كييف فقط موقفاً سياسياً، بل دوراً عملياً في مرحلة ما بعد الحرب. وقد أشارت تقارير إلى استعداد أوكرانيا للمساهمة بخبراتها وشركاتها في مشاريع البناء والإصلاح، بما يربط الزيارة برؤية أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد السوري وشبكات شراكاته الخارجية.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو زيارة زيلينسكي حدثاً عابراً، بل جزءاً من سؤال أكبر: من سيشارك في إعادة بناء الدولة السورية، ومن سيحجز موقعه في خرائط الطاقة والنقل والمرافئ واللوجستيات؟ هنا تتجاوز الزيارة بعدها الثنائي، لتدخل في صلب الصراع على مستقبل سوريا الاقتصادي. فإعادة الإعمار ليست فقط إسمنتاً وحديداً، بل هي أيضاً إعادة توزيع للنفوذ السياسي والمالي.

خامساً: السياق الإقليمي.. محور التنسيق الجديد
تأتي هذه الزيارة ضمن جولة إقليمية أوسع لزيلينسكي شملت دولاً في الشرق الأوسط، وتقاطعت مع حضور تركي واضح في المشهد، إذ تحدثت تقارير عن لقاء ثلاثي أو ترتيبات ضمت الجانب التركي إلى جانب دمشق وكييف. وهذا يعني أن الزيارة لا تُقرأ فقط في إطار العلاقة السورية-الأوكرانية، بل أيضاً في سياق أوسع من إعادة تركيب التوازنات الإقليمية عبر مثلث أنقرة-دمشق-كييف.

في هذا السياق، تبدو الزيارة جزءاً من هندسة سياسية جديدة قوامها تخفيض الاعتماد على المحاور القديمة، وفتح المجال أمام تقاطعات أكثر مرونة بين الأمن الإقليمي، والدفاع الجوي، والغذاء، وإعادة الإعمار. كما أن دخول تركيا على خط التفاهمات يرفع من قيمة الزيارة عملياً، لأن أنقرة لاعب مباشر في الملف السوري، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات عمل مع كييف في ملفات حساسة.

سادساً: ما الذي تعنيه الزيارة لموسكو؟
تضع هذه الزيارة موسكو أمام واقع غير مريح: رئيس أوكرانيا، الخصم المباشر لروسيا، يدخل دمشق ويوقّع على تعاون أمني وعسكري مع السلطة السورية الجديدة. وهذه ليست مجرد صورة بروتوكولية، بل رسالة تقول إن سوريا لم تعد ساحة مغلقة أمام خصوم روسيا، وإن دمشق باتت مستعدة لاستخدام هوامشها الجديدة في التفاوض والتموضع وفرض الشروط.

ولذلك يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها اختباراً مزدوجاً: اختباراً لمدى استعداد سوريا لإدارة سيادتها خارج الوصاية القديمة، واختباراً لمدى قدرة روسيا على الاحتفاظ بنفوذها في بلد لم يعد يكتفي بعلاقة أحادية الاتجاه. فحين يدخل “الخصم الأوكراني” إلى قلب المشهد السوري، فهذا يعني أن ما كان محرّماً سياسياً بالأمس أصبح ورقة تفاوضية مشروعة اليوم.

الخلاصة: عهد “سوريا الندية”
إن زيارة زيلينسكي لدمشق ليست مجرد محطة ديبلوماسية، بل لحظة كثيفة الرمزية في مسار التحول السوري. فهي تجمع بين البعد السيادي، والبعد العسكري التقني، والبعد الاقتصادي المعيشي، وتؤكد أن سوريا تحاول إعادة تعريف نفسها عبر شبكة علاقات أوسع من الاصطفافات القديمة. في عام 2026، لم تعد دمشق تكتفي بدور المتلقي؛ بل تسعى إلى أن تكون لاعباً يعيد توزيع أوراقه، يشتري الخبرة من كييف، ويفاوض موسكو من موقع مختلف، ويختبر شراكات إقليمية جديدة قد تعيد رسم ملامح الدولة السورية ومجالها الحيوي

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …