في هذا المشهد، لا يظهر السياسي الفاسد في الواجهة كمتهم، بل كـ “مدير للعمليات” يجلس في مركز شبكة العنكبوت. هو المستفيد الأول والأخير من “الثقوب السوداء”، حيث يستخدم كل ضلع من أضلاع هذه المنظومة لتحقيق ثلاث غايات: الحصانة المطلقة، التمويل المستدام، وإعدام البدائل.
1. “الحصانة المركبة”: الاختباء خلف “الوكيل الأمني”
يستفيد السياسي الفاسد من “رجل الأمن المخروق” ليس فقط لحمايته جسدياً، بل لتحويل “المعلومة” إلى سلاح للابتزاز:
-
تصفية المنافسين بالمعلومات: يحصل السياسي من رجل الأمن (المخروق إسرائيلياً أو المحسوب على المحور) على “داتا” حساسة عن خصومه السياسيين أو حتى حلفائه. هذه المعلومات تُستخدم لضمان صمت الجميع؛ فالفاسد لا يُحاكم لأن لديه “ملفات” على القاضي، والوزير، والضابط.
-
المقايضة الدولية: عندما يكون رجل الأمن مخروقاً من الخارج، يصبح السياسي الفاسد “شريكاً” في صفقات دولية. هو يغطي على الخرق الأمني مقابل أن تغض القوى الخارجية الطرف عن سرقاته المالية. هنا يصبح الفساد “ثمناً” للاستقرار الأمني الموهوم.
2. “الخصخصة المعرفية”: السياسي كـ “راعي للعلم”
أخطر ما يفعله السياسي الفاسد هو استخدامه للمؤسسات الأكاديمية لشرعنة نهبه. هو لا يقول “أنا سرقت”، بل يقول “هذه رؤية علمية”:
-
شراء “الختم الأكاديمي”: يقوم السياسي بتمويل كراسي جامعية أو مراكز أبحاث (عبر أموال التبييض) لتقوم هذه المراكز بإصدار دراسات تبرر سياساته. إذا أراد خصخصة مورد عام، تأتي الجامعة لتضع “إطاراً علمياً” يظهر الخصخصة كحل وحيد، بينما هي في الحقيقة “تنفيعة” لشركاته.
-
قتل “صحافة الحلول”: كما حدث في تجربة طرابلس، عندما يرى السياسي مشروعاً ناجحاً (مثل مشروع شادي نشابة ومديرة التحرير وليا البارودي وكارول معلوف) يهدد نفوذه بتقديم حلول حقيقية، فإنه لا يهاجمه مباشرة، بل “يختطفه”. يوعز لمكاتب جامعية أو جمعيات تابعة له بتبني المشروع، (من فعل ليؤطره اكثر؟ ولم يرميه في مزبلة metlife( ثم يقوم بـ “تفريغه” من محتواه وتحويله إلى مجرد “ورقة بحثية” لا تُنفذ، ليضمن بقاء المدينة تحت رحمته وخدماته الموسمية. كم تبعد بعبدا عن طرابلس؟
3. “الماكينة المالية”: السياسي كـ “مصرفي ظل”
العلاقة مع رياض سلامة ومبيضي الأموال ليست مجرد علاقة “عمولة”، بل هي “شريان حياة سياسي”:
-
صناعة “الولاء بالفقر”: يستفيد السياسي من انهيار الليرة (الذي هندسه سلامة) لتركيع المجتمع. عندما ينهار الاقتصاد، يصبح المواطن بحاجة لـ “كرتونة إعاشة” أو “وظيفة وهمية” يؤمنها السياسي. الفقر الممنهج هو “أداة ضبط اجتماعي” تضمن بقاء السياسي في السلطة عبر أصوات الجائعين.
-
تمويل “الجيوش الإلكترونية”: أموال تبييض العقارات وشركات التأمين لا تذهب فقط للقصور، بل تُضخ في “ماكينة الإعلامي المايسترو” لتمويل آلاف الحسابات الوهمية التي تهاجم أي صحفي استقصائي يحاول كشف الحقيقة.
4. “إعدام البدائل”: استراتيجية “تشليح العلاقات”
يخشى السياسي الفاسد من “الصحفي المستقل” الذي يمتلك شبكة علاقات دولية وميدانية صلبة. لذا، يستخدم “المايسترو الإعلامي” للقيام بـ:
-
عزل الكفاءات: يتم إيهام الجهات الدولية (سفارات، منظمات) بأن هذا الصحفي أو ذاك الباحث “صعب المراس” أو “غير مهني”، ويتم تقديم “وجوه بديلة” (مثل الوجوه التي فُرضت في سياق تجربة طرابلس) تكون أكثر طواعية.
-
سرقة “الرأسمال الاجتماعي”: السياسي يستفيد من “تشليح العلاقات” ليصبح هو “البوابة الوحيدة” للتواصل مع المجتمع. هو يريد أن تمر كل المساعدات والحلول عبر مكتبه، وأي محاولة للعمل المباشر (كما فعل فريق مديرة التحرير) تُعتبر “تهديداً للأمن القومي” أو “خرقاً للسيادة”.
5. الخلاصة: “الدولة الفاشلة” كنموذج ربحي
الخلاصة الكبرى هي أن السياسي الفاسد لا يريد إصلاح الدولة، لأن الدولة القوية تعني قضاءً مستقلاً يحاسبه. هو يستفيد من:
-
الأمن المخروق: ليبقى بعيداً عن المحاسبة الدولية والمحلية.
-
الإعلام المأجور: ليبقى “بطلاً” في عيون طائفته.
-
الأكاديميا المدجنة: ليبقى “مفكراً” و”منقذاً” في عيون النخبة.
-
المال القذر: ليبقى “الممول” الوحيد للحياة السياسية.