آفاق الشراكة الأمنية الجديدة والحدود الإسرائيلية (نموذج “1974 بلس”)

في إطار السعي لترسيخ دعائم العهد الجديد وتأمين الاعتراف الدولي الكامل، انخرطت حكومة أحمد الشرع في مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي برعاية أمريكية مكثفة قادها المبعوث توم باراك. تهدف هذه المفاوضات إلى إحياء وتحديث اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 لتصبح نموذجاً أمنياً منقحاً يُعرف بـ “1974 بلس”، يضمن لإسرائيل أمن حدودها مقابل اعترافها بحكومة الشرع والالتزام بعدم التدخل في شؤون سوريا الداخلية.

وعلى الرغم من معارضة الشرع للنزع الكامل للسلاح في كافة مناطق الجنوب السوري لتفادي وقوع فوضى أمنية قد تستغلها خلايا داعش، إلا أنه وافق على خطة لإعادة هندسة الجغرافيا الأمنية لجنوب سوريا وتوزيعها على أربع مناطق أمنية ذات قيود صارمة :

  1. المنطقة الصفراء: شريط حدودي ضيق يقع تحت السيطرة الأمنية المباشرة لإسرائيل، ويشمل الاحتفاظ بنقطتي استطلاع عسكريتين متقدمتين على قمم جبل الشيخ لضمان المراقبة الاستخباراتية المستمرة.

  2. المنطقة الزرقاء: شريط فك الاشتباك المباشر المحاذي للحدود، وتدار هذه المنطقة تحت إشراف ومراقبة مباشرة من قوات الطوارئ الدولية لضمان منع أي احتكاك عسكري.

  3. المنطقة البرتقالية: منطقة منزوعة السلاح الثقيل تمتد لعمق إضافي يبلغ كيلومترين داخل الأراضي السورية، ويحظر فيها تواجد الجيش السوري النظامي، حيث يقتصر الانتشار الأمني فيها على قوات الشرطة والأمن الداخلي السوري فقط.

  4. المنطقة الخضراء: تمتد من ريف دمشق الجنوبي إلى الحدود، وتصنف كمنطقة حظر طيران عسكري للطائرات الحربية السورية، مما يقلص القدرة الجوية الهجومية لدمشق في القطاع الجنوبي ويؤمن الأجواء الإسرائيلية.

وتسهم هذه الترتيبات الأمنية الصارمة في طمأنة وتلبية الهواجس الدفاعية الإسرائيلية، وتسمح لحكومة دمشق بتركيز جهودها على إعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار الداخلي، واستقطاب الاستثمارات الدولية دون الدخول في نزاعات عسكرية تشتت قدرات الدولة الناشئة.

الاستنتاجات الجيوسياسية والتوصيات الاستراتيجية

يكشف التحليل الاستراتيجي للتحول الجيوسياسي في سوريا عن نجاح المقاربة البراغماتية الأمريكية في توظيف التحولات الميدانية لتحقيق مكاسب أمنية بعيدة المدى. إن الانتقال من عهد نظام الأسد الذي وظف الإرهاب والورقة الفلسطينية لابتزاز الإقليم، إلى عهد أحمد الشرع البراغماتي، قد أتاح لواشنطن وتل أبيب تصفية التهديدات الأمنية المزمنة على الحدود الشمالية لإسرائيل. ويخلص التقرير إلى الاستنتاجات والتوصيات الاستراتيجية التالية:

  • تصفية العمق العسكري الفلسطيني: تمثل تصفية الفصائل الفلسطينية المسلحة في سوريا ضربة قاصمة لاستراتيجية إيران الهادفة لتطويق إسرائيل، وتوصي الدراسة بضرورة استمرار التنسيق الاستخباراتي الأمريكي-السوري لضمان عدم عودة هذه الفصائل لبناء خلايا نائمة.

  • تفويض مكافحة الإرهاب: أثبت الشرع كفاءة عالية في محاربة خلايا داعش والقاعدة، مما يستوجب مواصلة الدعم الفني والاستخباراتي الأمريكي لدمشق لتعزيز قدراتها الأمنيّة الذاتية وتجنيب واشنطن تكلفة التدخل العسكري المباشر.

  • الدمج الإقليمي المشروط: يمثل توقيع الترتيبات الأمنية مع إسرائيل بوابة دمج سوريا في المنظومة الاقتصادية العربية وبدء مرحلة إعادة الإعمار، وتوصي الدراسة بربط الدعم المالي الخليجي والدولي بالالتزام المستمر لدمشق بإنهاء النفوذ الإيراني ومنع تسليح المجموعات غير الحكومية

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …