الرياض وفيينا تبحثان تعزيز الشراكة الاقتصادية وتوسيع الاستثمارات المتبادلة في قطاعات الطاقة والترفيه والتكنولوجيا

 أكد السفير النمساوي لدى المملكة العربية السعودية، أوسكار فوستنغر، على وجود رغبة مشتركة قوية لتعزيز توسع شركات القطاع الخاص في كلا البلدين، معرباً عن تطلعه الشديد لانعقاد أعمال اللجنة الاقتصادية المشتركة المقبلة، ومشيراً في الوقت ذاته إلى أن بلاده ترى فرصاً استثمارية كبيرة للعمل المشترك. وتأتي هذه التصريحات لتوضح أن طبيعة العلاقات الاقتصادية بين فيينا والرياض لا تقوم على مطالبات نمساوية رسمية لرفع حجم الاستثمارات السعودية لديهم، بل ترتكز على استعراض الفرص الواعدة والإشارة إلى الإمكانات المتاحة لتشجيع الاستثمارات المتبادلة وتعميق التعاون الثنائي في شتى القطاعات الحيوية بما يخدم المصالح الاقتصادية للبلدين.

ويأتي هذا الحراك الدبلوماسي متسقاً مع نمو ملموس في الأرقام الاقتصادية المشتركة؛ حيث تُقدر الاستثمارات النمساوية المباشرة في المملكة بنحو 3.2 مليار ريال سعودي (ما يعادل 850 مليون يورو) لعام 2023، مقابل استثمارات سعودية في النمسا تقترب من مليار ريال سعودي. وتعزيزاً لهذه الديناميكية، شهدت الفترة الأخيرة سلسلة من اللقاءات الهامة، كان أبرزها اجتماع الطاولة السعودية-النمساوية للاستثمار في يناير 2026 بالرياض، تلتها مباحثات مكثفة بين وزيري الطاقة في يونيو 2026 تركزت على الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، تزامناً مع زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى فيينا لبحث آفاق التعاون والتنسيق المشترك.

وفي سياق الفرص التي أشار إليها السفير النمساوي، يبرز قطاع السياحة والترفيه كأحد المرتكزات الواعدة للشراكة؛ إذ يمثل هذا القطاع دعامة أساسية للاقتصاد النمساوي مسهماً بنسبة 13.6% من ناتجها المحلي الإجمالي، ما يعادل نحو 68.2 مليار يورو. وتتلاقى هذه الخبرة مع النمو المتسارع لقطاع الترفيه والسياحة في المملكة، الذي بات يضم أكثر من 4,500 شركة محلية ودولية مرخصة تحت مظلة الهيئة العامة للترفيه، مسجلاً حضوراً جماهيرياً تجاوز 72 مليون زائر للفعاليات المختلفة، مما يفتح آفاقاً واسعة للشركات النمساوية للمساهمة في تطوير البنية التحتية لهذا القطاع الحيوي بالمملكة.

وإلى جانب السياحة، تمتد الشراكة الاقتصادية لتشمل ثلاثة مجالات حيوية تتقاطع مباشرة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، حيث تبرز الخبرة النمساوية كداعم في هذه المسارات. وتشمل هذه المجالات قطاع الترفيه والرياضة الذي يساهم في تعزيز جودة الحياة وتطوير اللياقة البدنية والجاهزية الرياضية تزامناً مع استعدادات المملكة لاستضافة منافسات كأس العالم 2034. كما يشكل التعاون في مجال الأمن السيبراني محوراً أساسياً لحماية البنية التحتية الرقمية الحيوية، دعماً للاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني التي تشرف عليها الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA).

وفي مجال تطوير القدرات البشرية، تبرز تجربة النمسا في التعليم والتدريب المزدوج كخيار لتطوير مهارات الشباب السعودي، وبناء الكفاءات المحلية المؤهلة، مما يساهم بفاعلية في خفض معدلات البطالة والحد من الاعتماد على العمالة الوافدة عبر برامج تدريبية متوائمة مع متطلبات سوق العمل.

وتؤكد هذه التطورات مجتمعةً أن العلاقات الاقتصادية بين الرياض وفيينا تمضي نحو نموذج عملي متكامل، يستثمر المزايا الاقتصادية والخبرات التكنولوجية لكلا البلدين بما يحقق تطلعات التنمية المشتركة ويدعم خطط التحول الوطني في المملكة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …