على النقيض من حالة الانكشاف والعزلة والارتباك المالي التي يعاني منها تيار باسيل وحلفاؤه، ثم فرنجية سليمان، تسجل الساحة الكسروانية واللبنانية عموماً صعوداً مطرداً لنجومية النائب ورجل الأعمال نعمة افرام. هذا الصعود لا تحركه الطموحات الشخصية فحسب، بل يرتكز على تحولات بنيوية في جوهر اللعبة السياسية:
-
فراغ البدائل وشرعية “الرجل الأخير الواقف”:
مع تساقط أوراق النخبة الحاكمة التقليدية تحت مقصلة العقوبات وتجميد الحسابات وعزلتهم الدولية، يبرز افرام كـ “البديل النظيف والمؤهل” (على الرغم من اوراق بنما) والوحيد القابل للصرف والتسييل الدبلوماسي والمالي في العواصم الكبرى (واشنطن، باريس، الرياض) التي تبحث عن محاورين محليين غير ملوثين قانونياً أو مالياً. -
الامتثال الإلزامي لدفاتر شروط المنظمات الاقتصادية العالمية:
لكي يحافظ افرام على نجوميته ويحمي إمبراطوريته الاقتصادية (مجموعة إنديفكو) من أي شبهة تقاطع مع المحيط المعاقب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام خيارات امتثال صارمة تفرضها المنظمات الاقتصادية والمالية العالمية (مثل صندوق النقد الدولي IMF، البنك الدولي، مجموعة العمل المالي FATF، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، بالإضافة إلى معايير ESG للاستدامة والحوكمة). ويتحول هذا الالتزام من تدبير حمائي لشركاته إلى برنامج سياسي وطني يطرحه لإنقاذ الاقتصاد اللبناني من عزلة “اقتصاد الكاش” الرمادي. -
سوق التداول السعودي (Tadawul) كفلتر رقابي وشهادة عبور:
تتكامل خطوة اندماج مجموعة افرام في سوق التداول السعودي (المحتمل) مع هذه الإستراتيجية الحمائية؛ فالقبول بإدراج أسهمه في سوق مالي يخضع لقواعد حوكمة صارمة جداً ومرتبطة بالصناديق السيادية الدولية، يمثل “شهادة امتثال دولية” معترف بها لدى وزارة الخزانة الأميركية (OFAC)، مما يمنح منظومته الاقتصادية “مظلة سيادية” مزدوجة تحميه من الوشايات والشبهات وتقطع الطريق أمام أي تمدد لأثر العقوبات الأميركية نحوه.
سابعاً: تقاطع محور “تايلند – واشنطن – الرياض” ككشاف أمني ورقابي
يأتي تعيين الفريق فهد الدوسري (مدير عام المباحث العامة السعودي السابق برتبة فريق) سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى لبنان في مايو 2026، خلفاً للسفير وليد البخاري، ليرسم ملامح مرحلة جديدة من التعامل الحازم والسيادي مع الملف اللبناني:
-
الخبرة الأمنية للدوسري ومحطة بانكوك: يجمع الفريق الدوسري بين الخلفية الأمنية السيادية الرفيعة والخبرة الدبلوماسية الميدانية، التي كانت إحدى محطاتها التأسيسية الهامة العمل في القسم القنصلي في بانكوك (تايلند).
-
الامتداد الآسيوي لافرام (تايلند): تملك مجموعة إنديفكو امتدادات حيوية في تايلند (جنوب شرق آسيا)، وهي بقعة جغرافية تشكل تاريخياً شرياناً هاماً لسلاسل التوريد والتحاويل المالية الدولية.
-
التكامل والرقابة الأمنية والمالية الصارمة: يمثل وجود الفريق الدوسري في بيروت بخلفيته الأمنية العميقة وفهمه الاستثنائي لمسارات الأموال والأعمال الممتدة من آسيا إلى الخليج، “ضابط إيقاع” صارم لآليات الامتثال. فالسفارة السعودية في بيروت تحت إدارة الدوسري وبمباركة واشنطن، لم تعد مجرد صالون سياسي بل مركزاً لتقييم وفلترة معايير النزاهة والامتثال المالي والأمني للقيادات اللبنانية كملف واحد متكامل. بخلفية أمنية !
-
في هذا الإطار، ستصبح هرولة افرام للاندماج في “تداول” خطوة استباقية غاية في الدقة؛ ومباركة نعمة مباركة! إذ تضع كامل شبكة أعماله العالمية (بما فيها امتداد تايلند- الارجح سيقص جناحها ! ) تحت مجهر التدقيق والامتثال والرضا السيادي السعودي والأميركي المشترك، مما يحصنه في بيئة لبنان المعاقبة كخيار رئاسي وتوافقي لا غبار عليه.