ميشلين وهبه سليمان في وجهِ المجهول: الجريمة التي لم تنتهِ والدافع الذي يهددُ الجميع

كتبت أرملة الشهيد باسكال سليمان، ميشلين وهبه سليمان، عبر “فايسبوك” كلماتٍ تُلخص أزمة الحق والعدالة في وطنٍ تُطمس فيه الحقائق: “اليوم، قال القضاء كلمته. قرار قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان أسقط بالكامل رواية «سرقة السيارة»، وأكد أن ما حصل مع باسكال سليمان لم يكن حادثة سرقة عابرة أو جريمة وقعت بالصدفة، بل خطفًا وقتلًا عن سابق تصور وتصميم، ضمن مشروع جرمي متكامل ومخطط له مسبقًا، وإن بقي دافع الجريمة غير واضح وفق معطيات الملف. الشكر الكبير للقضاء اللبناني، وهذا القرار هو خطوة أولى على طريق العدالة. لكن اليوم، لا يسعني إلا أن أتذكر كم ظُلم باسكال بعد موته. ظُلم حين اختُصرت جريمة قتله بكلمتين: «سرقة سيارة». ظُلم حين حاول البعض أن يجعل من الجريمة حادثة عابرة، وكأن حياة إنسان تُختصر في سيارة. اليوم، القضاء قال إن الحقيقة كانت أكبر وأخطر بكثير. باسكال لم يكن «ضحية سرقة سيارة». باسكال خُطف وقُتل عمدًا. فلتسترح روحك بسلام يا باسكال. وليسامح الله كل من ظلمك في حياتك وبعد موتك، وكل من حاول أن يُهوّن من جريمة قتلك. أما الحقيقة، فمهما حاولوا دفنها، ستبقى أقوى من كل الروايات. والعدالة، مهما تأخرت، لا بد أن تصل”.

إن هذه الكلمات ليست مجرد رثاء، بل هي مرافعة قانونية وفلسفية تكشف الصراع الأزلي بين “الحقيقة” و”الرواية”. إن التغيير في التكييف الجرمي من “سرقة” إلى “مشروع جرمي متكامل” ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل هو اعتراف بوجود كيانٍ يخطط وينفذ، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أمنية أعمق لمفهوم الجريمة المنظمة.

الجريمة كفعل سياسي ومحرك استراتيجي

في القانون، يعد “الدافع” البوصلة التي تحدد اتجاه المسؤولية. لقد أدركت ميشلين سليمان أن محاولة اختزال الجريمة بـ “سرقة سيارة” كانت وسيلة “لأنسنة الجريمة” وتحويلها إلى حادث عارض لغسل يد الجهات المحرضة. لكن التحول إلى توصيف “المشروع الجرمي” يعني أن باسكال كان هدفاً، وأن القاتل مجرد أداة في يد إرادة أكبر. هنا، يتحول الدافع إلى العنصر الأكثر خطورة في الملف؛ فإذا كان الدافع مجهولاً، فإن الجريمة تصبح “خنجراً معلقاً” في الهواء، لا يعرف أحد متى أو أين سيسقط مجدداً.

خطر “الجريمة المتناسلة”: لماذا بقاء الدافع مجهولاً هو كارثة؟

إن أخطر ما في الجريمة المنظمة التي تتسم بطابع “المشروع المسبق” هو قابليتها “للتناسل”. عندما يتم تنفيذ عملية بهذا المستوى من الاحتراف والتخطيط دون انكشاف دوافعها الحقيقية، فإننا لا نواجه جريمة انتهت بوقوعها، بل نواجه “بنية جرمية” لا تزال قيد التشغيل.

إن بقاء الدافع مجهولاً يعني ببساطة أن “المحرك” الذي دفع للجريمة الأولى لا يزال يتمتع بالحصانة، ولم يتم تفكيكه أو إيقافه. هذا “المحرك” لا ينام؛ بل هو في حالة تربص دائم. فالمشروع الجرمي الذي لا يُكشف دافعه هو مشروع “قابل للتجدد” في أي لحظة؛ إذ يمكنه استنساخ التجربة نفسها مع ضحايا آخرين، بنفس الوسائل، وبنفس التغطية. إن الجريمة المنظمة تتناسل كخلايا سرطانية؛ فكلما أفلت المخطط من العقاب، أصبحت الجريمة القادمة أسهل، وأكثر جرأة، وأقل حذراً، لأن المنظومة الإجرامية تكون قد اختبرت “مناعة” المجتمع والدولة تجاه أفعالها.

العدالة كفعلِ وقايةٍ لا كفعلِ قصاصٍ فقط

تطرح ميشلين مفهوماً للعدالة يتجاوز معاقبة القاتل المباشر؛ إنها تطالب بـ “تفكيك المنظومة”. فالحق في الحقيقة هو حق للمجتمع في الحماية. إنَّ العدالة التي تُنتزع اليوم هي صمام أمان لمنع وقوع الجريمة التالية. فبمجرد كشف الدافع وتفكيكه، تنكسر حلقة “التناسل الجرمي”. وإذا ظل الدافع مجهولاً، فإن المجتمع يظل في حالة “استهداف دائم”، حيث يمكن لهذا “المشروع” أن يظهر في أي لحظة، يغير أدواته، لكنه يحتفظ بالمنطق الإجرامي ذاته.

  الحقيقة كخط دفاع أخير

إن كلمات ميشلين وهبه سليمان هي صرخة لإيقاظ الضمير القانوني والأمني. فالحقيقة – كما قالت – هي “أقوى من كل الروايات”، وهي أيضاً السلاح الوحيد لقطع دابر الجريمة المتناسلة. إن العدالة التي تطالب بها ليست لإنصاف باسكال فحسب، بل هي فعل دفاعي استباقي عن كل مواطن قد يجد نفسه يوماً ما ضحية لهذا “المشروع الجرمي” الذي لا يزال قيد التشغيل في الخفاء. إن المعركة اليوم هي معركة كشف الدافع، لأن كشفه يعني توقيف “المصنع” الذي ينتج الجرائم، لا فقط معاقبة الماكينات التي نفذت.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

لا تحاربو الاقطاع باسم العلمانية الفرنسية … وصية محمد مهدي شمس الدين!

يمثل الفكر السياسي والاجتماعي لسماحة العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين مساهمة علمية جادة في …