لا تحاربو الاقطاع باسم العلمانية الفرنسية … وصية محمد مهدي شمس الدين!

يمثل الفكر السياسي والاجتماعي لسماحة العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين مساهمة علمية جادة في تفكيك المفاهيم المعاصرة وإعادة قراءتها من منظور إسلامي يتسم بالعمق الواقعي والتحليل الأكاديمي الرصين. وفي كتابه “العلمانية: تحليل ونقد للعلمانية محتوى وتاريخاً في مواجهة المسيحية والإسلام وهل تصلح حلاً لمشاكل لبنان؟”، يقدم قراءة نقدية شاملة لنشوء العلمانية وتأثيراتها البنيوية على المجتمعات العربية والإسلامية، مع التركيز على الحالة اللبنانية الخاصة التي يتداخل فيها البعد الطائفي بالسياسي والتشريعي. ومن خلال هذا التحليل، يسعى الكاتب إلى تبيان أن الإشكالية الأساسية تكمن في جوهر الفكرة العلمانية وبنيتها الكونية المادية عندما تُسقط على المجتمعات الإسلامية والشرقية، وليست مجرد انحراف في التطبيق الفعلي أو توظيف سياسي عابر من قبل الأنظمة الحاكمة.

ويبدأ هذا التحليل الفكري بالعودة إلى الجذور التاريخية والاجتماعية التي ولدت العلمانية في الغرب كعلاج لأمراض هيكلية ارتبطت بتجربة القرون الوسطى، وتحديداً بنظام الإفطاع الأوروبي والتحالف الوثيق بين الكنيسة والطبقة الحاكمة. حيث يربط الكاتب في الصفحة 83 نشأة العلمانية بزوال ذلك العصر الإقطاعي ونشوء الدول القومية، مبيناً بقوله إن ارتكاز العلمانية في العصر الحديث ارتبط “بنهاية عصر الاقطاع في أوروبا ونشوء الدول القومية في بداية العصر الحديث. ولم يكن لدى المجتمعات السياسية في أوروبا في القرون الوسطى (عصر الاقطاع) سوى خليط من القوانين”. ويوضح في الصفحة 161 كيف تحالفت الكنيسة تاريخياً مع نظام اجتماعي جائر تضرر منه عموم الناس، معتبراً أن نشوء العلمانية كان نتيجة حتمية لهذا التحالف، حيث إنها “تحالفت مع نظام اجتماعي (الاقطاع) وطبقة حاكمة (النبلاء) واستمر حلفها مع النظام وطبقته على رغم تعارضهما المستمر والمتزايد مع مبدأ العدالة العام ومع مصالح الجماهير”. ومن هذا المنطلق، يرى شمس الدين أن استيراد العلمانية للبيئة الإسلامية يمثل إسقاطاً لعلاج غربي على مجتمع لا يعاني من ذات المرض التاريخي، نظراً لانتفاء البنية الكهنوتية الجائرة ولأن الشريعة الإسلامية تشتمل أصلاً على نظام مدني مرن وقابل للتطور والاجتهاد من خلال فقه المعاملات.

وفي سياق امتداد هذه الظاهرة إلى المشرق العربي، يقدم الكاتب قراءة نقدية للأنظمة العلمانية والقومية الحاكمة التي تصدرت المشهد السياسي في القرن العشرين، وهي الأنظمة التي تندرج تحت مظلتها تجارب فكرية وسياسية معاصرة مثل التجربة البعثية والناصرية. فعقب هزيمة حزيران 1967، واجه الإسلام حملة ضارية من النخب العلمانية التي سعت لتحميل الفكر الديني والعقلية الغيبية مسؤولية الفشل العسكري والسياسي. ويفند شمس الدين هذا الطرح في الصفحتين 7 و8، مبيناً أن الأنظمة الحاكمة التي منيت بالهزيمة كانت علمانية بالكامل في بنيتها وصنع قرارها، وأن محاولتها اتهام الإسلام كان مجرد وسيلة للتنصل من المسؤولية السياسية وحماية سلطتها الاستبدادية، حيث يكتب قائلاً: “واستهدف الإسلام بحملة ضارية من هؤلاء الدعاة العلمانيين، فحملوا الإسلام وما أسموه (العقلية الدينية أو العقلية الغيبية) وزر الهزيمة التي منيت بها الأنظمة التي لم يكن لها أي محتوى اسلامي يذكر، الأنظمة التي كانت علمانية بدرجة أو أخرى والتي كان يقودها ويوجه سياساتها الداخلية والخارجية رجال ونساء علمانيون وعلمانيات وأجهزة علمانية. والحقيقة أن العلمانيين الذين قادوا العرب إلى الهزيمة أرادوا أن يقدموا للرأي العام ضحية تغطي هزيمتهم هم”.

وعند الانتقال إلى الواقع اللبناني وخصوصيته الدينية والاجتماعية، يحرص الكاتب على صياغة علاقة تكاملية ومصيرية بين المسيحية والإسلام في مواجهة العلمانية الشاملة التي يعتبرها خطراً حقيقياً يهدد الجوهر الروحي والقيمي للديانتين معاً. ويرى شمس الدين في الصفحة 15 أن النزاعات والحروب الداخلية لم تكن حرباً دينية حقيقية بقدر ما كانت مأساة أدت إلى تغييب التأثير الأخلاقي للإسلام والمسيحية لصالح المشاريع المادية والسياسية المستوردة، كاتباً في هذا الصدد: “والحقيقة أنه ما أصيب في هذه الفتنة إلا الإسلام والمسيحية، فقد طردا من الميدان وسدّت أمامهما منافذ التأثير والتوجيه”. ولكنه في الوقت نفسه، يوجه نقداً هادئاً وموضوعياً للصيغة الطائفية السياسية التي قامت عليها الدولة اللبنانية عقب الاستقلال، معتبراً أنها صيغة غير عادلة منحت امتيازات خاصة لطائفة واحدة في قمة الهرم السياسي على حساب بقية المكونات، حيث يذكر في الصفحة 196 أن القوانين الوضعية والأعراف السائدة “جعلت الانتماء الطائفي هو الذي يحدد للبناني حجم حقوقه وفقاً لجدول تراتبي تحتل الطائفة المارونية قمته العليا”.

ومن أجل تلافي هذا الخلل الهيكلي وتجنيب لبنان الانزلاق نحو العلمانية الشاملة التي تلغي البعد الروحي والتشريعي للمجتمع، يقدم الكاتب رؤية مستقبلية متوازنة تقوم على الفصل بين إلغاء الطائفية السياسية والإبقاء على قوانين الأحوال الشخصية الطائفية. فهو يطالب بإلغاء الامتيازات السياسية واستبدالها بنظام كفاية وعدالة اجتماعية ومواطنة متساوية للجميع، مع صون حق الكنائس والمحاكم الشرعية في إدارة الأحوال الشخصية لأبنائها تعبيراً عن حرية الإيمان والخصوصية الدينية، حيث يوضح في الصفحة 214 أن بناء الوحدة الوطنية الحقيقية لا يتأتى بفرض تشريعات مدنية قسرية بل “يتوقف على الغاء نظام الامتيازات الطائفي وقيام دولة الكفاية والعدالة الاجتماعية”.

وتثير هذه المقاربة نقاشاً فكرياً متعدداً؛ فبينما يرى الكاتب في أطروحته حماية للوجود المسيحي عبر دولة مواطنة متساوية بمرجعية أخلاقية إسلامية مدنية تنفي فكرة المواطنة من الدرجة الثانية كما يظهر في الصفحة 140، فإن القراءة النقدية المقابلة من قبل بعض النخب السياسية المسيحية التقليدية قد ترى في إلغاء الضمانات والتمثيل الطائفي السياسي خطوة تضعف الوجود المسيحي السياسي الفاعل وتقلصه إلى مجرد خصوصية تشريعية أحوالية ضيقة، وتجعله خاضعاً بالكامل للميزان الديموغرافي والسياسي للأغلبية العددية الإسلامية في المنطقة. وبذلك، يظل فكر الشيخ شمس الدين محاولة فكرية لبناء نموذج يحاول الموازنة بين مقتضيات المواطنة المدنية الحديثة والحفاظ على الهوية الحضارية والخصوصية الدينية المشتركة للمسلمين والمسيحيين على حد سواء.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

ميشلين وهبه سليمان في وجهِ المجهول: الجريمة التي لم تنتهِ والدافع الذي يهددُ الجميع

كتبت أرملة الشهيد باسكال سليمان، ميشلين وهبه سليمان، عبر “فايسبوك” كلماتٍ تُلخص أزمة الحق والعدالة …