سلطة “الخبز المسموم”: كيف تحول الجريمة المنظمة المجتمع إلى “غيبوبة اختيارية”؟

في البيئات التي تُختطف فيها مؤسسات المجتمع المدني لصالح أجندات أمنية، لا تكتفي السلطة بالسيطرة على السياسة، بل تغزو “اليومي” وتتغلغل في تفاصيل حياة الأفراد. هنا، تتحول الجريمة من مجرد فعلٍ طارئ وخارج عن القانون إلى “نظام” بحد ذاته؛ نظامٍ يُسيّر حياة الناس، ويحدد أرزاقهم، ويشكل وعيهم، ويصبح هو “المنطق” الوحيد المتاح للبقاء.

عندما تُنسى الجرائم وتُحيد أصوات الشهود بفعل آلة التغييب الممنهجة، يتوقف المجتمع عن رؤية “الرابط” بين الانتهاك وبين حياته الخاصة. إن الجريمة التي لا تُحاسب لا تموت، بل “تتطور” لتصبح بروتوكولاً إدارياً؛ إذ يُمارس الفساد والترهيب والولاء الأعمى كوسائل وحيدة للحصول على مقعد دراسي، أو وظيفة، أو حتى لقمة عيش. وفي هذه المرحلة، لا تعود الجريمة فعلاً استثنائياً يُستنكر، بل تتحول إلى “قاعدة” يمارسها الجميع ليتمكنوا من العيش داخل هذا النظام المعطوب، مما يجعل من الصعب على الضحية أن تدرك أنها ضحية، لأن “الجلاد” قد ارتدى ثياب “المنقذ”.

تكمن العبقرية الشيطانية لهذه المنظومة في قدرتها على ارتداء أقنعة “الخدمة” و”الرعاية”. فهي توزع الخبز، وتؤمن الخدمات الصحية، وتخلق فرص العمل، لكنها تمنحها كـ “أدوات قيد” وليست كحقوق. هنا، تصبح “الخدمة” هي الرشوة التي تُسكت الضمائر وتمنع الاحتجاج، وتتحول “الحاجة” إلى سلاح لفرض التبعية. يقع المواطن في فخ الإعماء الأخلاقي، حيث يختار “العمى الاختياري” خوفاً من أن يؤدي انهيار المنظومة -التي تقدم له هذا الخبز- إلى ضياع حياته الهشة. وهكذا، يغرق المجتمع في “غيبوبة اختيارية”، مقتنعاً بأن البقاء في كنف الجلاد أكثر أماناً من مواجهة الحقيقة.

في وسط هذا المشهد المظلم، يبرز الصحافي الميداني كـ “جراح للقناع” وكممثل وحيد للذاكرة الجماعية. إن مهمته ليست مجرد نقل الخبر، بل هي إعادة بناء “الرابط المفقود” في وعي الناس. هو الذي يملك الشجاعة ليقول للحشود: “إن هذا الخبز هو ثمن صمتكم، وإن هذه الخدمة هي مجرد غطاء للجريمة التي تسرق مستقبلكم”. إن الصحافي المحمي هو الذي يرفض أن يغفو الناس، وهو الذي يحول الوقائع المبعثرة إلى سجلٍ تاريخي يمنع النسيان.

إن الدفاع عن الصحافي ليس ترفاً نقابياً، بل هو دفاعٌ عن حقنا في استعادة عقولنا من أسر “المنظومة”. فبدون الشاهد الذي يربط “الخبز بالاستعباد” و”الخدمة بالجريمة”، سيظل المجتمع حبيس واقعٍ تم اختراعه خصيصاً لإبقائه في حالة تغييب. إننا أمام معركة وجود بين “نظام الجريمة” الذي يقتات على نسياننا، وبين “كلمة الحق” التي تمثل صمام الأمان الوحيد لإيقاظ الذاكرة.

في نهاية المطاف، إن صمود الصحافي هو التحدي الأكبر لهذه المنظومة؛ لأنه يثبت أن هناك حياة ممكنة خارج دائرة “الخوف مقابل الخبز”، ويذكرنا بأن الكرامة لا يمكن أن تُشترى بخدمة، وأن الوطن الذي نستحقه لا يُبنى على أنقاض الحقيقة المنسية، بل على أنقاض النظام الذي جعل من الجريمة أسلوب حياة

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …