رسائلُ إلى أُنسي..

ما زال غسان يُثير فيَّ غضباً لا يهدأ، يا أُنسي. لقد توقفتُ عن “الخلع”، ذاك الفعل الذي بات استنزافاً لا يُجدي. “الحمرا” صارت مكاناً يضيقُ بأنفاسِ جيلٍ لا أجدُ في عيونهم قدرةً على استشراف الربيع، وقد أكلت الثوراتُ كلَّ ما في الروح من طاقةٍ أو وقت. الفارقُ بيني وبين هؤلاء الصغار ليس مجردَ سنواتٍ من التراكم؛ إنها ستُّ سنواتٍ تفصلني عن عتبةٍ بيولوجيةٍ غامضة، عن صمتٍ قادمٍ سيطوي فيَّ دورةً كاملةً من التوقد، تاركاً إيايَ في مواجهةٍ أكثر نقاءً مع الوجود. بينما أنا أقفُ على مرافئِ هذا التحول، يقتحمُ أولئك “الأطفال” فضاءاتي بضجيجهم الفارغ، غير مدركين أنني أعيشُ مخاضاً من نوعٍ آخر، يتجاوزُ بؤسَهم وموازينهم المبتذلة.

ليس لي بديلٌ عن ذاك “المثلي” الذي أذكره؛ فالأمرُ يزدادُ قرفاً، وهذا هو عينُ الذلِّ: أن تحاصرَكَ أفكارٌ معلّبة، مُهندسةٌ كأنها روتينٌ من السخافة، يفرضها عليك كائنٌ يعتقدُ أن حقَّه في التسلّط يستمدُّ شرعيتهُ من كونك أنتَ، لا أكثر. وما زالت تلك “العاهرة الصغيرة” تعبثُ في دمي، تنهشُ صحتي وتستبيحُ أوردتي كأنها قدرٌ محتومٌ من القذارة. إنها لعبةٌ قميئةٌ تُمارَسُ في أروقة حياتي، تلاعبٌ خفيٌّ بأعصابي، حيث تصرُّ على أن تنصبَ شباكَها في كل مفاصلِ يومي، وكأنّ وجودي المنهك ليس سوى ذبيحةٍ تُقدّم على مذبحِ هوسهم الذي لا ينتهي.

هم جادّون في موازينهم البائسة؛ يقارنون مخزونك المعرفي، وتاريخ تعبك، وتراكمات إنسانيتك، بمجرد “إذنٍ” من غسان. هم جادّون لأنك لم تدخل يوماً إلى مكتب جيرانك، ولم تضع حداً لهذا العبث.

يخافُ الإنسانُ من بيولوجيته حين تغلِبُ السخافةُ خياراته؛ إذ تحرقُ الأيام بلا مبالاةٍ، وكأنما أنت أرضٌ مُستباحة. تشعرُ أحياناً أن وجودك قد اختُزل في دورٍ قسري، في شبكة دعارةٍ لا تختارها، حيث أصواتهم المزعجة تتسلل من الطابق الشقيق، لا في مهمةٍ صحافيةٍ، بل في جحيمِ المعتاد. لقد فقدَ الخبزُ والعيشُ وكلُّ ما هو ماديٌ قيمتَه أمام طوفانِ التفاهة. لا يدركون خوفك من رنين الهاتف، الى حب تخطط معه لشئ. ويكون بين تلك الارقام العشر الاف المسروقة. ولا وقاحةَ من يتجرؤون على قطع أوصال حياتك، في عمليةِ قتلٍ بطيءٍ وممنهج، هي بالضبط ما كنتَ تعنيه بـ “القتل على مراحل”.

التلفازُ مُنطفئٌ منذ خمسة عشر عاماً، وأنا التي أستطيعُ تحريرَ أضخمِ الوثائقيات، لا أريدُ التفاتاً إلى ماضٍ صاغته “اللبنانية للإرسال” في ألمي. إننا في القاع؛ في أعمقِ دركٍ منه، حيث يقتحمُ الغرباء فضاءك الشخصي، دونما ناقةٍ لهم أو جملٍ في عوالم الكتابة أو الفن. وكم عليك أن تُعيد بلورةَ روحك كلما حصل أحدهم على رقم هاتفك، لينفّذ هوسَ مجرمٍ يرى في حياتك واستمراريتك “مِنّةً” من فضلهم.

الحياةُ ليست هبةً من أحد؛ هي شرايينُ الرأس تتفاعلُ مع نظام الكون. فكرتُ يوماً، وأنا أتأملُ جزيئات الدماغِ والذكاء الاصطناعي، أن الله أكبر من أن يُقاس، وأن العلمَ ليس إلا ومضةً من كيانِ النور الذي يكشفُ فيه الإنسانُ نفسه. هوميروس وأوديسيته يصارعان موج الحياة، والحياةُ تقذفني في عُبابها. ولا تسألني لِمَ هوميروس، فالوجودُ ملحمة، وقوةُ الإنسانِ في أن يختارَ سيفَ العقلِ على عقلِ السيف. أما البيئاتُ التي لا تُنتجُ إلا الجريمة، فهي لا تفتأ تُطاردُ “فتاة الحياة” التي تجرأت على امتلاكِ سقفٍ من تعبِها.

يا أُنسي.. إن “العذراء” في المسرح، تُخضِعُ الرغبةَ لا لأنها خاضعة، بل لأنها ترفضُ إدراكَ أن حريتَها هي التي تقودها إلى الحافة. أما ذاك الذي يلوذُ بالخمرِ بحثاً عن النسيان، فهو لا يواجهُ شياطينه، بل يعاقبُ الحياةَ بمواجهةِ ملائكتهِ في العزلة. إنني اليوم، وعلى مرمى خطواتٍ من ذاك الصمت البيولوجي القادم، أدركُ أن كلَّ هذا الضجيجِ من حولي ليس إلا محاولةً يائسةً لملءِ فراغِ التاريخ، بينما أنا.. أتحضّرُ للقاءٍ شجيٍّ مع أبديةٍ لا تدركها عقولهم الصغيرة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …