السعودية وعُمان: صراع النموذج الدبلوماسي بين الردع والوساطة.. اميركا تريد الردع!

شهدت السياسة الخارجية السعودية تحولاً استراتيجياً جذرياً خلال العقد الأخير، حيث انتقلت المملكة من مرحلة «عاصفة الحزم» (2015-2022) التي اتسمت بالمواجهة العسكرية المباشرة وحروب الاستنزاف الإقليمية، إلى مرحلة «دبلوماسية الردع» (2021-2026). هذا التحول يعكس نضجاً استراتيجياً أدرك أن الحروب المفتوحة لا تحقق أهدافاً حاسمة، مما دفع الرياض نحو صياغة فلسفة جديدة تقوم على الموازنة الدقيقة بين القوة الناعمة والردع العسكري، متوجةً ذلك باتفاقيات دفاعية محورية مثل «اتفاق مكة» مع تركيا وباكستان، وشراكات استراتيجية مع فرنسا، إلى جانب استثمارها في مسارات دبلوماسية كاتفاق بكين مع إيران.

في المقابل، تمثل الدبلوماسية العُمانية نموذج «الوسيط المحايد» التقليدي، الذي يعتمد كلياً على قنوات الحوار المفتوحة مع كافة الأطراف، بما في ذلك إيران والحوثيين والقوى الدولية. ورغم نجاح مسقط التاريخي في إدارة العديد من الأزمات، إلا أن هذا النموذج يواجه اليوم تحديات بنيوية قد تؤدي إلى فشله؛ فالدبلوماسية العُمانية تفتقر لأدوات الردع الصلبة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، مما يجعلها رهينة لـ«حسن نية» الأطراف المتصارعة. وإذا ما فضلت القوى الدولية الكبرى، مثل الولايات المتحدة، الحلول التصعيدية أو الضغوط المباشرة، فإن دور الوسيط المحايد يتقلص تدريجياً، خاصة مع بروز تهديدات مباشرة تعكس رغبة واشنطن في فرض شروطها بعيداً عن القنوات التقليدية للوساطة.

وتبرز قوة الدبلوماسية السعودية في قدرتها على الدمج بين مسارين متوازيين؛ فهي تستخدم ثقلها الاقتصادي المتمثل في صندوق الاستثمارات العامة، وقوتها العسكرية المتصاعدة، وشبكة تحالفاتها الدولية المتنوعة (واشنطن، بكين، أنقرة، باريس) لخلق توازن دقيق. هذا المزيج يمنح الرياض «أوراق ضغط» عملية؛ ففي حال فشل مسار الدبلوماسية، تظل خيارات الردع (كالتحالفات البحرية والاتفاقيات الدفاعية) حاضرة لتأمين المصالح الوطنية دون الانجرار إلى حروب شاملة تضر برؤية 2030. بينما تظل عُمان في وضع حرج، حيث لا تملك فرض التسوية إذا ما تعنت أحد الأطراف، مما يجعلها عرضة للتجاوز من قبل القوى التي تبحث عن «الحسم» لا «التفاوض».

إن الدروس المستفادة من فشل النزاع المباشر في اليمن علّمت القيادة السعودية أن الاستقلالية في القرار هي الركيزة الأساسية للأمن القومي. لذا، فإن «دبلوماسية الردع» السعودية ليست دعوة للحرب، بل هي هندسة أمنية تهدف إلى رفع تكلفة أي عدوان على المملكة، مع الإبقاء على مساحات للحوار. وعلى النقيض، يظل نموذج الوساطة العُمانية رغم نبله، محدود التأثير في بيئة جيوسياسية متفجرة تزداد فيها الحاجة إلى القوة لحماية مكتسبات السلام.

ختاماً، يمكن القول إن نجاح الاستراتيجية السعودية يكمن في تحولها من “لاعب في صراعات الآخرين” إلى “مفاوض يملك مخالب الردع”. بينما قد تواجه الدبلوماسية العُمانية خطر الانزواء أمام تحركات القوى الكبرى التي تسعى لنسف مسارات التهدئة الهادئة. لقد أثبتت التجربة أن السعودية لم تعد تبحث عن حليف يخوض حربها، بل عن “شبكة أمان” دولية وإقليمية تمنحها الاستقرار اللازم لمواصلة مسيرتها التنموية، مما يجعل فلسفة التحالفات السعودية اليوم أكثر مرونة وواقعية من أي وقت مضى.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …