واشنطن تفضل «دعم السعودية بالتسريب» على وساطة عُمان، لأن المصالح الأمريكية-السعودية تُقدَّم على الدبلوماسية الإقليمية

يشهد المشهد الإقليمي في أغسطس 2026 صراعاً محتدماً بين منطقين استراتيجيين؛ الأول هو منطق «المصالح الثنائية» الذي تتبناه واشنطن لتعزيز علاقتها بالرياض بما يخدم هيمنتها على ملفات النفط والدولار واحتواء إيران، وهذا ما تسعى الى استعادته من استراتيجية اوباما ادارة ترامب، الابتلاع … بعد الغرق الاقتصادي! والثاني هو منطق «الدبلوماسية متعددة الأطراف» الذي تقوده عُمان والصين وقطر (ضمنا اخوان مسلمين) بحثاً عن تسويات إقليمية شاملة. وفي خضم هذا التجاذب، تحولت التسريبات الإعلامية التي تروج لطلب السعودية قيادة واشنطن لجبهة عسكرية ضد الحوثيين إلى «أداة سياسية» لا «خبراً بريئاً»؛ إذ تفضل واشنطن استخدام هذه التسريبات لضغط وتوجيه مسار الأحداث بدلاً من ترك الملف للوساطة العمانية التي لا تضمن بالضرورة النتائج التي تخدم الأجندة الأمريكية في الخليج.

إن تفضيل واشنطن لأسلوب «التسريب» كأداة ضغط نابع من رغبتها في ربط الأمن السعودي بالوجود العسكري الأمريكي حصراً، محاولةً بذلك تهميش الدور العماني الذي يتسم بالحياد، ويخاطر -من وجهة نظر أمريكية- بفتح الباب لتسويات قد لا تُعزل إيران اقتصادياً وعسكرياً بالشكل المطلوب. فبالنسبة للبيت الأبيض، يُعد الحفاظ على «الولاء الاستراتيجي» للسعودية أولوية قصوى، حتى لو كان ذلك على حساب فرص التهدئة الدبلوماسية المستقلة، حيث تبعث تلك التسريبات رسالة مزدوجة: لإيران والحوثيين بأن خيار الحرب قائم ومحتوم في حال فشلت الشروط الأمريكية، وللسعودية بأن أمنها مرتبط كلياً بالاصطفاف خلف المحور الأمريكي.

في المقابل، تجد المملكة العربية السعودية في «اتفاق مكة» للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان خياراً أكثر عقلانية ومرونة، فهو لا يمثل قطيعة مع واشنطن، بل إعادة تموضع استراتيجي يوازن بين الاعتماد على الحليف الأمريكي وبين بناء «شبكة أمان إقليمية» تقلل من الارتهان الكلي للتقلبات في القرار الأمريكي. هذا الاتفاق الذي وقعه قادة الدول الثلاث يمنح الرياض مظلة دفاعية رادعة دون أن يجرها إلى مستنقع حرب شاملة تلتهم مكتسبات «رؤية 2030» وتدمر بيئة الاستثمار فيها. وعلى عكس الضغوط الأمريكية التي تدفع نحو الاستقطاب، يترك اتفاق مكة الباب مفتوحاً أمام انضمام أطراف إقليمية أخرى كإيران، مما يحوله إلى «درع دفاعي» لا «سيف هجومي».

إن المقارنة بين المسارين تكشف بوضوح أن الرياض تنتهج نموذج «الفاعل العقلاني»؛ فهي لا تكتفي بكونها طرفاً في تحالفات دفاعية، بل تحافظ على وساطة عُمان كخيار دبلوماسي مرن، وتستثمر في الشراكة مع الصين لضمان استقرار طويل الأمد. وبناءً على ذلك، تظل المصالح الوطنية السعودية هي البوصلة؛ فالرياض تدرك أن الانجرار إلى حروب الآخرين تحت غطاء «الولاء» سيؤدي إلى تعطيل مسيرة التحول الوطني، بينما توفر لها الاستراتيجية الحالية –المزيج بين الردع الإقليمي والدبلوماسية الهادئة– فرصة لفرض شروط الاستقرار الخاصة بها.

ختاماً، يمكن القول إن ما نراه من تصعيد في التسريبات ليس سوى محاولة أمريكية لفرض الوصاية على مسار الحل، مقابل سعي سعودي حثيث لتأمين سيادتها وحماية رؤيتها التنموية. لقد بات واضحاً أن واشنطن تضع مصالحها الجيوسياسية فوق أهداف السلام الإقليمي، بينما اختارت السعودية أن تكون هي الضامن لمصالحها الوطنية، محولةً التحالفات الإقليمية إلى صمام أمان يحمي المنطقة من حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …