هندسة الموت البطيء: كيف ينهبُ “الشركاء” أهدافك ليصنعوا كفنك؟

تتشابك خيوط الحياة والموت في نسيج واحد لا ينفصل، حيث يتحول “الكفن” من مجرد غطاءٍ أخير للجسد إلى رمزٍ يرافق الإنسان في رحلة تآكله اليومي داخل علاقاتٍ لا ترحم. تبدأ هذه التراجيديا حينما تتحول العلاقات الإنسانية من فضاءٍ للنمو والارتقاء إلى ساحةٍ لاستنزاف الروح واستهلاك الطموح، فيصير الفرد وجبةً دائمة على مائدة الآخرين الذين لا يكتفون بنهب طاقته فحسب، بل يتجاوزون ذلك إلى استغلال “أهدافه” وأحلامه كأدوات للربح الشخصي. إن هؤلاء “الأكلة” العاطفيين يمارسون نوعاً من القيادة الشيطانية، حيث يقتحمون حياة الضحية تحت قناع الدعم والمشاركة، بينما يهدفون في الحقيقة إلى سحب المعلومات والموارد من مشاريعها وطموحاتها التي يعتقدون أنها مناجم ذهب، محولين تلك الأحلام إلى سلعٍ يقتاتون عليها، غير عابئين بدمار الأعصاب أو تفتت الذات التي تنهدم تحت وطأة هذا الاستغلال.

ومع استمرار هذا النهب، يبدأ الفرد في فقدان بوصلته؛ فالاستهتار المستمر بأعصابه وبحقه في أن يكون صاحب حلمٍ خاص، يحوله إلى هيكلٍ مفرغ من المعنى. إن هؤلاء الذين يقودون الضحية نحو التخلي عن أهدافها بحجة “الواقعية” أو “المشاركة”، لا يمارسون مجرد استغلال مادي، بل يمارسون نوعاً من القتل الممنهج للهوية؛ فكل معلومة تُسحب من عقل الضحية وكل خطوة يُستهان بها في طريق طموحه، هي خيطٌ إضافي يُنسج في كفنه. إنها علاقة طفيلية بامتياز؛ إذ يتغذى المستغل على حماس الآخر، يمتصه حتى يجف، ويتركه في نهاية المطاف في حالة من العدمية، حيث لا يعود الموتُ فجيعة، بل يصبح “الكفن” هو الملاذ الأخير من عالمٍ لا يرى في الإنسان سوى “رأس مال” يمكن التهام أجزائه.

وهكذا، يكتمل مشهد الموت البطيء، حيث يجد المرء نفسه وقد استُنزفت حياته على أيدي أولئك الذين أتوا باسم “المحبة” أو “الشراكة”، ولكنهم كانوا في الحقيقة يمارسون طقوساً جنائزية يومية، يقضمون من عمره وأحلامه لتمويل مطامعهم. إن الاستهتار بالأعصاب هو الجريمة الصامتة التي تسبق الموت الفعلي، فبينما يظن البعض أنهم يجنون المال من أهداف غيرهم، هم في الحقيقة يسرقون الأكسجين من رئتي الضحية، ويدفعونها لارتداء كفن اليأس قبل أن تنتهي حياتها. في النهاية، لا يتبقى للإنسان بعد أن تُنهب أفكاره وتُداس كرامته وتُستباح طموحاته سوى تلك اللحظة التي يدرك فيها أن كفنه قد حيك من خيوط ثقته المفرطة، وأن “الأكل” الذي كان يعتقده مودةً، لم يكن سوى عملية هضمٍ كاملة لكيانه في جوفِ علاقاتٍ لا تؤمن إلا بمنطق الافتراس.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …