مذكرات “صائدة البلديات”: حين تُسرق منكِ درجات السلم، وتُتركين مع الأشباح

لا اعيش في كاليفورنيا … عشت اليتم والفقر والبرد والخوف والوحدة وغياب الكهرباء والـ MIKE بدل الـ NIKE والتنمر لاننني لا املك سعر القلم الذي يلعب به اترابي عشت التمييز عشت احلم انني ساصبح تلك المحامية او الاقتصادية التي لم تكن تملك سعر الكتاب عشت الخوف ان اضطر ان اترك صفوف مدرستي واعمل نادلة وانا بعد لم اتقبل اليتم عشت أكره صورة وجهك! يا صاحب البدن الطويل وصوتك! 

في الخامسة والعشرين، كنتُ ساذجةً بما يكفي لأعتقد أن “اللامركزية” ليست مجرد مصطلح قانوني، بل “مشروع عمر” سيُغيّر وجه الوطن. حملتُ حقيبتي، ودفاتري، وحماسي الذي كان يملأ صدري كبالون منفوخ بالأمل، جاهزةً للتحليق فوق روتين البلديات المتهالك. كنتُ أظن أنني سأعيد هندسة الإدارة، بينما الحقيقة أنني كنتُ أحفر قبري المعرفي بيديّ، وأفتح الأبواب لكل “المتسلقين” الذين لم يجدوا وسيلة للصعود إلا عبر تعقب خطواتي.

خمسة عشر عاماً، يا سادة! من الـ 25 إلى الـ 39. في هذه المدة، تتزوج النساء، وينجبن، ويغيرن أولوياتهن. أما أنا، فقد قضيتها ألاحق أشباح “ديوان المحاسبة”، وأفكك طلاسم التمويل، وأحاول فهم لماذا تعجز بلدية لا تملك ثمن المكنسة عن تنسيق عمل “شرطة البلدية” مع نفسها.

لكن الفضيحة الحقيقية لم تكن في القوانين، بل في “صاحب البدن الطويل”.

ذلك الذي يظهر في زاوية العين كذبابة إلكترونية لا يمكن طردها. كلما اخترقتُ سراً في بلدية، وجدتُه هناك. يلوح بمسبحته، يراقبني بنظراتٍ لم افهم ما دخله بها فحفظت قانون العقوبات. العنف الاسري . وحلمت مرارا ان اطبق اي منها عليه مع تعويض مليون دولار على كل نقزة. او منزل من منازلك من بيع البيض الذي والدي كان يجمعها لي قبل ان يتركني اتذكر ان هناك “بيض فرّي”. كان والدي يطعمني اياها. ينسقها كل سبت. مع كل دجاجة. اتعرف ان والدي كان يتصارح مع الدجاج؟ وامي كلما تراني ابكي. تخبرني انه يفعل! لاضحك. الحقراء مثلك لا يعرفون عن ذكريات الايتام ! واوراقه التي ابكي عليها كل ليلة .. ومنها الـ AUB !! 

لقد اكتشفتُ متأخرةً أنهم لا يطاردون أفكاري، بل يطاردون “الدرجة” التي أطمح إليها. تلك الـ (دكتوراه) التي في نظرهم ليست بحثاً، بل “صكّ غفرانٍ وسلطةٍ مطلقة”. هم يريدون تلك الدرجة ليصبحوا “مهندسين للواقع”: يريدون سلطة تحديد المعاني للناس، يقررون متى يتقاضون أجورهم، وكيف تبدو علاقتهم بأقربائهم، وكيف يمارسون أكثر لحظاتهم خصوصية، وأي جيران يُسمح لهم بالسكن فوق رؤوسهم، وأيُّهم يحق لهم تعنيفهم، وأيُّهم يُقرر مصيره بناءً على طموح المُنظّر الذي يقرر – بوقاحة أكاديمية – ما إذا كان “فخت البنطلون” أليق من “فخت التنورة” في سياق الحداثة المزعومة. إنهم يريدون “الدرجة” ليتحكموا في “ما يجب أن يُرى” و”ما يجب أن يُخفى”.

إنهم يطاردونني لأنني، ببحثي، أوشكتُ على امتلاك القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها. وهم يريدون سرقة هذه القدرة ليقفوا فوق رؤوس من احب او ساحب، الذي لا اتصور يوماً أن يصبح “مذلولا” بعقد هؤلاء أو بأطفالي الذي يخافون من “علاهم” التي بناها لي والدكِ، ذلك الوالد الغائب الذي دفعت في غيابه ثمن “عشر فيلات” في وسط المدينة.

لقد رأيتُ كل شيء. رأيتُ الصديق الذي قاسمته الخبز يتحول إلى “محطة تقوية” للمتسلقين، رأيتُ كيف تُباع الأخلاق الأكاديمية لتُشترى بها كراسي السلطة. أدركتُ أنني كنتُ أكتب “سيرة ذاتية” لهؤلاء المتسلقين، وأن “البدن الطويل” ليس إلا حارس بوابة في معبدٍ، أربابه يعيشون على سرقة عرق الباحثات ليمارسوا سلطتهم على أنفاس الناس.

اليوم، بينما أقف على أعتاب الأربعين، أنظر إلى أوراقي التي باتت صفراء، وإلى “صاحب البدن الطويل” الذي لا يزال يلوح بمسبحته في الأفق. أبتسم بسخريةٍ مريرة.
عزيزي، لكل شيء نهاية. لقد عرفتُ أن “العلا” التي يطمحون إليها ليست إلا قمة جبل من القمامة الإدارية والفساد الأخلاقي. لقد سئمتُ من كوني الوقود لمحركاتهم الصدئة. اليوم، قررتُ أن أترك السلّم. ليصعدوا وحدهم إن استطاعوا، فالسقوط من الأعلى، حين تكتشف أنك بلا أساس وبلا حقيقة، هو أشد وجعاً من البقاء في الأسفل، حيث الحرية التي لا يدركها “الدكاترة” المرتزقة.

فليعتلوا ما شاؤوا، فالمكان في الأعلى… ضيق، ومنخفض الأخلاق، وبارد جداً.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …