الصليب الأحمر: ميثاق الإنسانية في مهب الصراعات

تأسست حركة الصليب الأحمر في فبراير 1863، مستلهمةً مبادئها من مأساة “سولفرينو” (1859)، حيث رأى هنري دونان أن الحاجة للإسعاف لا تنتظر انتهاء الحروب أو انحياز الضمائر. ومنذ ذلك الحين، رسخت الحركة نفسها كقوة إنسانية محايدة، محكومة باتفاقيات جنيف (1949) وبروتوكولاتها الإضافية، لتبقى الملاذ الأخير لضحايا النزاعات، بغض النظر عن هوياتهم أو التهم الموجهة إليهم.

طبيعة التفويض: الإنسانية بعيداً عن السياسة

يجب فهم طبيعة عمل الصليب الأحمر من خلال “حياده الصارم”؛ فهو لا يعمل كجهاز أمني، ولا يتدخل لمنع عمليات الاغتيال أو الاغتيال المخطط له، فذلك من اختصاص السلطات الأمنية والقضائية للدول. إن تفويض الصليب الأحمر إنساني بحت، هدفه حماية الضحايا ومساعدة المتضررين فعلياً من العنف، والتذكير بالتزامات الأطراف بالقانون الدولي الإنساني.

البروتوكول العملي في سيناريوهات العنف والاغتيال

في حال وجود “مجموعة تخطط لاغتيال شخص”، يتبع الصليب الأحمر بروتوكولاً دقيقاً مقسماً إلى ثلاث مراحل:

1. مرحلة ما قبل الهجوم (التأثير الوقائي):
لا يقوم الصليب الأحمر بأدوار بوليسية استباقية، لكنه يمارس “التأثير الوقائي غير المباشر”. عبر حوارات سرية وثنائية مع القادة الميدانيين أو الأطراف المؤثرة، يذكرهم الصليب الأحمر بالتزاماتهم القانونية بموجب القانون الدولي الإنساني، مثل حظر الهجمات التي تستهدف المدنيين، وحظر أعمال العنف الرامية لبث الذعر (المادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول)، كما يعمل على نشر قواعد السلوك التي تقلل من احتمالات استهداف المدنيين أو الأعيان الحيوية.

2. أثناء الهجوم (الاستجابة الميدانية):
ينصب التركيز فوراً على إنقاذ الأرواح. يتدخل الصليب الأحمر لإسعاف الجرحى ونقلهم، مع التمسك بـ “الحياد العملي”؛ فهو لا يشارك في المطاردات الأمنية، ولا يكشف معلومات استخباراتية. يتفاوض الصليب الأحمر على ممرات آمنة لإخراج الجرحى أو إدخال الإمدادات الطبية، مستنداً إلى ثقة الأطراف في كونه جهة لا تنحاز لطرف دون آخر.

3. ما بعد الهجوم (الرعاية والتوثيق):
يواصل الصليب الأحمر تقديم الرعاية الطبية، ويدعم المستشفيات، ويعمل على إعادة وصل العائلات المشتتة. وفي حال رصد انتهاكات، يقوم بتوثيقها “داخلياً” لدفع الأطراف المتورطة إلى التصحيح عبر القنوات الدبلوماسية السرية، مشجعاً في الوقت ذاته على المساءلة عبر القنوات القضائية المختصة، دون الانخراط في الجدالات السياسية.

المرجعية القانونية: لماذا لا يميّز الصليب الأحمر؟

ترتكز هذه الممارسة على قواعد صلبة في القانون الدولي الإنساني:

  • حق الإسعاف المطلق: بموجب المادة المشتركة 3 من اتفاقيات جنيف، والبروتوكولين الإضافيين (1977)، والقاعدة 110 من القانون الدولي الإنساني العرفي، يجب تقديم الرعاية للجرحى دون تمييز. رفض الإسعاف بدعوى أن الجريح “مشتبه به” أو “مخطط لاغتيال” يعد خرقاً جسيماً للالتزامات الدولية.

  • التمييز والتناسب: يُذكر الصليب الأحمر الأطراف بضرورة الالتزام بمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين (المادة 51)، ومبدأ التناسب والاحتياط (المادة 57)، التي تحظر الهجمات التي توقع خسائر مدنية مفرطة.

  • الاستقلالية: لا يقرر الصليب الأحمر من يستحق الحماية بناءً على “النوايا” أو “التصنيفات السياسية”، فمعياره الوحيد هو الحاجة الإنسانية والوضع الفعلي للضحية (جريح/مدني/محتجز).

  الحياد هو صمام الأمان

لا يتحول الصليب الأحمر إلى طرف في النزاع، ولا يمارس مهاماً شرطية أو عسكرية؛ فلو فعل ذلك لفقد حياده ولأصبح مستهدفاً، مما يعني فقدان الوصول إلى المحتاجين. إن قوة الصليب الأحمر تكمن في كونه “وسيطاً إنسانياً” يذكّر الأطراف بقواعد اللعبة الإنسانية، ويضمن وصول الطواقم الطبية لإنقاذ أرواح البشر، مع الحفاظ على مسافة فاصلة بين الإغاثة الطارئة والعمليات الأمنية، مما يسمح له بالبقاء مقبولاً من جميع الأطراف والوصول إلى من هم في أمس الحاجة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …