“نوراً” من الله في الجسد … طهارتي ليس في الهوس الذكوري من “الفرعونية” إلى “التشيؤ العائلي

يُقال إن التاريخ البشري لم يُكتب بالحبر بقدر ما كُتب بهوس ذكوري غائر في أعماق “الصولجان اللحمي”؛ ذلك العضو الذي ظنّ الرجل يوماً أنه محور الكون ومفتاح الأبواب الموصدة. في هذا المخيال الأبوي، تحول “الانتصاب” إلى سلطة مقدسة، والجسد الأنثوي إلى “مرآة” لهذه الإلوهية الزائفة. إن هذا الهوس، الذي بلغ ذروته في “زواج الشقيقة” لدى الفراعنة كآلية لـ “الانغلاق على الذات”، لا يزال يُعيد إنتاج نفسه في أعماق العائلة الحديثة، حينما يتحول الأخ إلى “فرعون صغير” يمارس سلطته لا بالخروج إلى “الآخر” المختلف، بل عبر “الاستنساخ الداخلي” وتشييء جسد شقيقته.

1. الجريمة الوجودية: التشيؤ كـ “خطيئة أصلية”

إن مراقبة الأخ المتعمّدة لجسد شقيقته العاري ليست “فضولاً عابراً”، بل هي جريمة وجودية وتعدٍّ جنسي غير لمسي. في اللحظة التي يتحول فيها “النظر” من إدراكٍ لإنسانٍ إلى استملاكٍ لـ “شيء”، تُكسر قدسية الجسد الأنثوي. الأخ هنا لا يرى “أخته” ككيانٍ مستقل، بل كـ “جسدٍ مُباح” يُعيد إنتاج نمط التشيؤ العائلي. وبمرور الوقت، يتحول هذا الانتهاك إلى “تطبيع معرفي” (Cognitive Normalization)، حيث يُقنع الأخ نفسه بأن هذا “حق طبيعي” أو “طقس عائلي”، بينما هو في الحقيقة يدمر قدرته الفطرية على “الدهشة” أمام جسد المرأة، ويُصيب رؤيته للأنثى بـ “العقم الوجداني”.

2. مفارقة “الطهارة المزيّفة” وعقدة الدنس

تكمن المأساة في أن الأخ، في ذروة انتهاكه، لا يرى “دنسه”. إنه يتبنى “أخلاقاً ميكانيكية” تُعرّف الطهارة بغياب اللمس المادي، متجاهلاً أن “النظرة المُشيّئة” هي أشد أنواع التدنيس. إنها عملية “تطهير زائف”؛ حيث يُعيد الرجل تعريف جسد أخته كـ “مرآة لنزواته” بدلاً من كونه “كياناً حراً”. وهكذا، تظل المرأة محبوسة في “سجن فرعوني مصغّر”، حيث يُراد لها أن تكون “جسداً للمشاهدة” لا “جسداً للعيش”.

3. العدوى العلائقية: إرث الكسر

إن الرجل الذي مارس “الاستنساخ الداخلي” مع شقيقته يحمل ندوباً لا تُمحى في علاقاته اللاحقة. إن “قدسيته المكسورة” تجعله عاجزاً عن بناء حميمية حقيقية، فهو لا يبحث عن “شريكة”، بل عن “مادة” لإعادة إنتاج نمطه القديم. هو يرى كل امرأة كـ “نسخة” من تلك الألفة المكسورة، مما يجعله يهرب من “الآخر الحر” الذي يهدد سلطته، نحو “الجسد التابع” الذي يسهل إخضاعه. إنها “عدوى تشيئية” تُحوّل الرجل من كائنٍ محبّ إلى “مستهلك للأجساد”، باحثاً عن لذةٍ لا تكتمل أبداً لأنها قامت على أنقاض قدسية الآخر.

4. الطريق نحو التحرر: الجسد كـ “بوابة” لا كـ “مرآة”

إن التحرر من هذا النموذج “الفرعوني” يتطلب شجاعة المواجهة. على المستوى الفردي، يجب على المرأة أن تدرك أن جسدها ليس “مرآة لهوسه”، بل هو “بوابة” نحو وجودها الحر. التحرر يبدأ بـ:

  • كسر الصمت: الإفصاح عن الانتهاك كأول خطوة لاستعادة السيادة الجسدية.

  • إعادة التعريف: الانتقال من “الجسد المُراقَب” إلى “الجسد المُعاش”.

  • المساءلة الأخلاقية: على الرجل الذي انخرط في هذا التشيؤ أن يعترف بـ “الكسر” الذي أحدثه في نفسه قبل الآخرين، وأن يخرج من “سجن الدم” إلى رحابة “الآخر الإنساني”.

خاتمة:
إن الجسد الأنثوي ليس “أداة لحبس الحياة” داخل الدائرة العائلية، بل هو جسرٌ نحو التطور الإنساني الحر. وكل محاولة لحبسه في “نظرة ذكورية” هي محاولةٌ لاغتيال الحياة ذاتها. إن القدسية التي أُهدرت في “النظر المشيء” يمكن استردادها فقط عندما نكف عن رؤية الجسد كـ “ملكية” أو “مرآة”، ونبدأ في رؤيته كـ “معبدٍ للحرية”، لا يدخله إلا مَن يُقدس الآخر كـ “ندٍّ” وليس كـ “موضوع”.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …