كيف يتم التاثير بالراي العام وتشكيله؟

يبحث الصحافيين على التاثير في الراي العام، بينما الدكتور غزلان الهاشمي تبحث في كيفية التاثير به وتشكيله من ناحية وضع الخطاب. وكانت لنا هذه المقابلة معها.

1-  كيف تؤثر عملية التلقي وفق نظرية التلقي والتأثير في تشكيل الخطاب لدى الرأي العام؟

الخطاب مراوغ ومخاتل ،فهو عبارة عن اختلاق لغوي يضمر تحيزات مختلفة ،ويرتكز في إنجازيته على جملة مرجعيات ثقافية وسياسية ودينية ،والمتلقي في النظريات التي تعنى بالاستجابة سيد الموقف ،فحسب ياوس وآيزر يعد مركز العملية الإبداعية ،إذ عبر الاستنطاق والتفكيك والتأويل يتحرر من سطوة الكاتب ،ويمنح للخطاب وهجه ،وينتشله من التصحر الذي تفترضه القراءات الأحادية التفسيرية ،لكن نحن لا ننتبه حال الحديث عن عملية التلقي إلى أن المتلقي/القارئ تحول إلى سلطة ،إذ يحمل في تأويلياته سطوة وممارسة قمعية ،لأنه يحملها رؤيته وميوله وانحرافاته وإيديولوجيته وتصوراته والتي هي جزء من شخصيته وهويته ،لذلك وعبر عملية ارتدادية يصبح الخطاب مهما كان نوعه عبارة عن عملية إنجازية تعمل هذه السلطة المرجعية /سلطة القراء على تشكيله ،لتتسمى وفق منطق تجميعي وعبر تموضع اعتباري قانوني بمسمى “الرأي العام” ،إذ يظل هذا المصطلح منجزا اصطلاحيا أو جماعة تخييلية تمارس سطوتها من خلال استجماع ذاكراتي مسيج بسطوة التموضع الإجماعي ،دون النظر إلى اختلالاته واختلافاته الجزئية ،ومعه يتحول الخطاب المنجز في المسافات البوحية أو التأويلية البعدية إلى سلطة مرجعية ،ليصعب معها تحديد أيهما يسهم في تشكيل الآخر ،وأي سلطة تملك امتياز التموضع المركزي :سلطة القارئ/المتلقي أم سلطة الخطاب والوعي الذي يسهم في تصديره.

٢. ما أهمية ثقافة المتلقي ليأخذ دورا كقارئ ضمني بدل قارئ مستهلك ؟

القارئ الضمني على حد تعبير فولفجانج إيزر هو ذلك القارئ الكامن في صيغة الاحتمال حال مواجهة النص ،والذي يتعين فيما بعد على شكل قارئ حقيقي يجسد توقعات المؤلف الذي ينتظر دائما قارئا في مستوى نصوصه ،قادرا على محاورتها والوقوف على دلالاتها المضمرة ، فالنصوص المعاصرة ونظرا لالتباسها وغموضها تحتاج قارئا نوعيا موسوعيا ،قارئا يسكنه القلق ويحرضه السؤال على ارتياد مغامرة البحث والتنقيب  ،إذ يشترط فيه امتلاك أدوات وآليات نقدية تمكنه من تفكيك النصوص وقراءة المسكوت عنه بعد التعثر بمسافات الصمت واختلالات الكلام واعتلالات الخطاب ،حيث مكمن الدهشة وارتعاشات اللقاء مع عوالم تأويلية مختلفة .إن الكينونة النصية فيض من فراغ ينتظر الامتلاء المرتكز على التعدد والحوارية ،والقارئ المستهلك/السطحي لن يتمكن من عيش لحظة الاستفزاز القرائي والاستشكال وتوليد الأسئلة ،إذ سيتلقى الخطاب في صيغته التلقينية/التسطيحية ،بينما يعمل القارئ النوعي/القارئ المثقف على تثوير الراهن الخطابي وخلخلة العقل اليقيني وزعزعة النزعة الوثوقية التي تمارس سلطتها على القارئ المستهلك وتعمل على قمع المغايرة والاختلاف داخل عقله ،  فالمؤلف على حد قول رولان بارت ” ليس سوى ماضي كتابه الذي له ملامحه الخاصة فالعلاقة بين المؤلف وبين كتابه مثل العلاقة بين الأب وأبيه , إذ هي علاقة لا تحول دون نمو الطفل نموا ً ذاتيا ً”،وهذا ما يطرح تأويلية النصوص وانفلاتها من ربقة الانغلاق والأحادية ،ومن سلطة الوصاية الغيرية .

٣. كيف تتم عملية التأثير وفق نظرية التلقي وهل رسالة الكاتب أكانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية تتفاعل مع خلفية القارئ؟

عملية التأثير ترتكز على قوة الرسالة الموجهة إلى جمهور القراء ،فالقارئ يستعجل مقصدية النص من خلال استبعاد عناصر تأويلية واستدعاء بعضها ،وذلك يعود إلى نباهة الكاتب وقدرته على استمالة المتلقي وممارسة سطوته عليه واستدعائه إلى مساحته التأويلية بما يبثه من رسائل تتوارى خلف اللغة  ،وتنكشف بقدر ما تظهر ،إذ عملية التأثير تستوجب مراعاة أذواق المتلقين وخلفياتهم ومرجعياتهم ومفاهيمهم ومداركهم العقلية ،على أن الكاتب الجيد ينجح في استقطاب الجميع من خلال مفهوميات متعددة ،إذ يجعل كل قارئ يعتقد أن النص موجه إليه فيعزز ما ينتظره منه ليس تعزيزا مطابقا لوعي المتلقي تطابقا تاما ،وإنما ببث بعض من الاختلافات التي تغير في اعتقاداته دون أن يشعر أنه أمام هجوم تأويلي يهدف إلى تغيير خارطته الإدراكية ورؤيته للعالم .

٤. كيف يتم هذا التفاعل.

يجب ألا ننسى وكما بين ستانلي فيش أن الجماعة التأويلية /جمهور القراء هي التي تنشئ معاني النص وتحدد واقعه ،لذلك حال القراءة والتأويل يستجمع المتلقي بعضا من العناصر التكوينية والرسائل المبثوثة بذكاء داخل الخطاب مهما كان نوعها ،مع مرجعياته وخلفياته ليشكل واقعا نصيا أو هوية خطابية امتزاجية .إن مثول المجتمع داخل الذات القارئة هو اعتراف بتمثلات الغياب/تمظهراته في النصوصية المستقبلية ،والتي تستند إلى تاريخ طويل من الوعي القرائي أسهم المبدع في قولبته وتشكيل جاهزيته ،كما أسهم المجتمع في حد ذاته في تشكيل وعيه ـ الكاتب نفسه ـ وإن ادعى الثورية والاختلاف والوقوف على أرضية المغايرة .

٥.ما هي قوام العلاقة التفاعلية بين القارئ والنص ومتى يبدأ هو لإنتاج نص.. على شاكلة تعليقات فيسبوك.. نص مقالة الخ…

العلاقة التفاعلية بين القارئ والنص قوامها الهوس والمحبة ،فتفعيل القراءة يرتكز على الحوارية التي تفترض الندية ،ومجاوزة الراهن النصي وخطاطته المركزية يتأسس على الحميمية التي يستشعرها المتلقي حال التقائه بالنص ،حيث الرعشة الأولية وقلق الانتظار والرغبة الإنجازية تحفزه كلها على الانطلاق في التأويل والكتابة .

إن القارئ اليوم والذي صرنا نسمه بالافتراضي نظرا لتحرره من سلطة الكتابة الكلاسيكية ،يقوم بتفعيل القراءة الفورية بمجرد أن تأتي لحظة الالتقاء مع نصه المثالي والتماس النصي/الارتعاشة أو القلق ،وذلك من خلال تفكيك جزئيات النص وتأويلها واستجماعها في هويات نصية مغايرة ،والتي تحمل كما قلنا سابقا في طياتها إكراهات الواقع المعاش السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والتاريخية…،ناهيك عن أن جمهور القراء يمارسون سطوتهم على المنجز النصي ،إذ يجد القارئ نفسه يجاوز رؤيته ويعدل تحيزاته ويضيف ويحذف بعد قراءة مختلف الآراء ،وهذا يجعل مقولة الحياد جوفاء لا معنى لها ،إذ في تخيره للنص من جملة خيارات متعددة تحيز ،وفي تأويلياته فيمابعد والمنبنية على مرجعياته وسطوة القراء الآخرين ورائهم المعدلة تحيز كذلك ..

 

 

 

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …