الادب مع د. روبير بيطار بين الحريات الدينية وحرية التعبير

المحرْم في الادب. كلمة كبيرة، تضعك بين حد الحريات الدينية ، حرية التعبير والقيود الفكرية التي تتحلى بها الموروثات الدينية٫ التي يتلاعب فيها ذوي الاسلوب الايعاذي كما تلزم مصلحتهم فيطالبون بنكران الذات بينما بعض الديانات تطلب الا يخسر الانسان نفسه٫ لذا وجدنا من المفيد اجراء حوار مع الدكتور الناقد المبدع ذي اثر في مكتبات الاطفال٫ ، والدراسات حوله في الجامعة اللبنانية حول ادب الاطفال٫ صاحب اطروحة  “اختراق المحرّم في الشعر العربيّ الحديث” المستحق لقب دكتور روبير بيطار.

 

1- تكلّمت على كسر المحرّم في أطروحتك، هل الأنا الشاعرة هي بذرة الانطلاق عند من كسروا المحرّمات في أدبهم؟ أم هناك دافع آخر؟

تبدأ غريزة كسر المحرّم مع الإنسان منذ بداءته، فأوّل حدث قام به الإنسان منذ وجوده كان معصية الله، وانتهاك المحظور الّذي حذّره من تجاوزه، وهذا ما عُرف بالخطيئة الأصليّة الَّتي ارتكبها الإنسان فخسر على إثرها الفردوس الأبديّ. إذًا، لنقل إنّ هذه المسألة إنسانيّة بالدرجة الأولى قبل أن تكون فنّيّة أو شعريّة. أمّا الشاعر المبدع، الّذي يبحث عن حرّيّته في فضائه اللامتناهي، فإنّه ينزع دائمًا إلى تحطيم القيود والحدود، والانطلاق خارج الأطر المعدّة له من قبل. والأنا الشاعرة توّاقة أبدًا إلى تخطّي الموروث والتقليد، وإلى تحقيق ذاتها في كونها المفتوح على الخلق والتجديد، بلا سقوف ولا جدران…

2 – تشغل صورة الله الكثير من الشعراء، كيف حطّم بعض الشعراء في نظرك هذه الصورة وممن استلهموا لكسرها ؟ وأيّ صورة يكسرون؟ ومن أين أتتهم؟

ما حاولت الدراسة المتواضعة، الّتي قدّمتها أن تقوله، أنّ الشعراء لم يسعوا إلى كسر صورة الله بالمطلق، بل إلى كسر المفهوم المتوارث لدى الأجيال وتبنّاها شعراء كثيرون من قبل. وهذه الصورة قد يكون أرساها الفكر الدينيّ في مرحلة من مراحل تاريخ الإنسان. وإذا كان المحرّم الدينيّ، مسألة غير جديدة على الأدب العربيّ بشكل عامّ، فإنّـها اكتست طابعًا مختلفًا في الشعر العربيّ الحديث لما في انتهاك المقدّسات من توقٍ إلى الحرّيّة والنقد من خلال الشعر، وهذا ما سعى إليه الإنسان الحديث في رحلة انعتاقه من الخوف والكراهية، وسعيًا منه إلى إيجاد علاقة متينة بالإله الأكبر تتّسم بالمحبّة. إذًا، فالمسألة الّتي حاولت الدراسة سبر أغوارها، تنحصر في المرامي النهائيّة الّتي وصل إليها الشعراء من خلال تخطّيهم الخطوط الحمراء المقدّسة. فالشاعر الحديث، ليس عاصيًا بالمطلق ولا كافرًا عبثيًّا، إنّه شاعر يبحث عن التملّص من الخوف ساعيًا إلى الاتّحاد مع الخالق الأكبر بالمحبّة، مُكوّنًا لنفسه هامشًا كبيرًا من الحرّيّة… وهذه الحرّيّة لا تتناقض والأديان، بل إنّها تشكّل عائقًا أمام مُتَولّي أمور الناس من ساسة ومسؤولين وغيرهم… والعربيّ على مرّ العصور كان يؤمن بحرّيّته إلى أقصى الحدود، على الرغم من سلطة القبيلة وسيّدها وعاداتها وإيديولوجيّاتها عليه وعلى حقوقه.
خلاصة القول، حاول الشاعر الحديث كسر صورة الإله البطّاش، وإعادة تكوينه انطلاقًا من مفهوم العطف… من هنا كان الهدم في سبيل البناء.

3 – كيف يختلف النقد الأدبيّ عن النقد الدينيّ؟ ولم يثور رجال الدين على خرق المحرّمات للشعراء؟ وماذا عن النقّاد، هل من إبداع بالالتزام بالصور النمطيّة الدينيّة؟ بمعنى آخر، كيف يبدع الشاعر إذا لم يترك لخياله مجال الإبداع خارج القوالب الدينية؟

أظنّ أنّ النقد، أدبيًّا كان أم دينيًّا، يجب أن ينطلق من الموضوعيّة، وهذا لا يتحقّق إلّا باتّباع منهج علميّ واضح، بعيدًا من الأهواء وخارجًا من الانطباعيّة… لذا، فإنّ النقد الأدبيّ والدينيّ يفترقان إذا حكم أحدَهما فكرٌ مسبق، أو اعتبارات خارجة عن طبيعتهما، وبلتقيان إذا اتّبعا مسارًا عقليًّا منفتحًا على كلّ الفرضيّات والاحتمالات…
أمّا عن موقف رجال الدين، فإنّ المسألة تختلف من دين إلى آخر، وأحيانًا من رجل دين إلى آخر… ولقد سعت دراسة “اختراق المحرّم في الشعر العربيّ الحديث” إلى تنبيه بعض القارئين السطحيّين إلى أنّ ما يُعدّ كسرًا للمحرّم الدينيّ، قد يكون قمّة الإيمان.
وبالعودة إلى النقد، فإنّ الناقد الّذي لا يسعى إلى قراءة الأثر الأدبيّ بعينه الثالثة، فإنّه سيجد نفسه مقصّرًا عن تفتيق ثنايا النصّ، وسيظلّ طافيًا على سطح الدلالة، ولن يبلغ عمقها. إنّ النمطيّة في الحبّ والإيمان والعمل، وفي أيّ عمل إبداعيّ آخر شعرًا كان أم روايةً أم نقدًا، يُسقطه ويبقيه في مستوى التخلّف…

4 – إن كانت الاخلاق والمقدّسات تحكم الإبداع، أيّ إبداع سيكون هذا في رأيك؟ وهل الإبداع هو كسر القوالب فقط؟

إنّ الإبداع يتحقّق في كلّ مكان. ولكنّ الإبداع المحكوم بالقوالب الجاهزة ليس إبداعًا. فجبران وهوغو وطاغور وتولستوي وغيرهم كانوا ثائرين في سعيهم إلى الأخلاق والمثاليّات… كما أنّ أبا نواس كان ثائرًا ومبدعًا في دعوته إلى نقض الأخلاقيّات السائدة في عصره من خمر ومعاشرة غلمان وغير ذلك… ونيتشه عدوّ المسيح كان مبدعًا حين دعا إلى أن يكون الإنسان مخلّصًا للأرض، وهو ما سُمّي بنظريّة “الإنسان الأعلى”.
ما أردنا أن نقوله ممّا سبق، أنّ الشاعر الّذي يحقّق حريّته في منتجه الأدبيّ، يكون مبدعًا. هذا فعلٌ من أفعال الحرّيّة الّتي انتهجها شعراء الحداثة مثلًا. فأحيانًا يكون اختراق الـمقدّس، بهدف الاندماج به. إنّه التجاوز في سبيل الانعتاق من قيود الماضي باتّجاه الحرّيّة، باتّجاه الإيمان الحقيقيّ غير الخاضع للقبول الأعمى. وإذا كان الإبداع تجاوزًا، فهو يتضمّن اختيارًا، لأنَّ من يبدع يتخلّى عن شيءٍ ليتبنّى آخر غيره. لكنَّ هذا التخلّي لا يعني الرفض بقدر ما يعني البحث عن قبول جديد. فالرفض هنا، مرتبط بالقبول. والشاعر الّذي يتخطّى في فهمه المقدّس، فهو ثائر كما كان المسيح ثائرًا،، وإذا فهم الأخلاق فهمًا جديدًا، فهو ثائر مبدع كما يظهر السيّاب وحاوي وإليوت وبودلير وغيرهم…

5 – بماذا يختلف الناقد الذي يعالج المحرّم، والمبدع الّذي يكسر المحرّم؟ لم بعض الشعراء أخذوا الانسان القضيّة وكسروا في الله ؟

كما أنّ القصيدة عمل إبداعيّ أوّل، فإنّ النصّ النقديّ عمل إبداعيّ ثانٍ، وعلى كليهما، الشاعر والناقد، أن يُبدع خارج أسوار المحظورات والممنوعات… هو في أن تجد في عمق اللغة معنًى آخر، كما يقول أنطون غطّاس كرم في كتابه “ملامح الأدب العربيّ الحديث”: “خلق لغة في قلب اللغة”. إنّ الشاعر المبدع هو النازع دائمًا إلى الخلق الجديد، ومثله الناقد المبدع، فهو يعمل على استنباط أبعاد غير مسبوقة في حركة لولبيّة دائمة، وهو أيضًا ما يقول عنه “جاك دريدا” في كتابه “في علم الكتابة: “نزعة الخلق والنزعة اللانـهائيّة”…
أمّا عن اتّخاذ الإنسان قضيّة، فذلك لأنّ الإله الحقيقيّ الّذي تعبده البشريّة، اتّخذ الإنسان قضيّة أيضًا، وهذا لا يتعارض مع صورة الإله الحقيقيّ، لا صورة الإله الغاضب كما ورد في بعض النصوص الدينيّة من العهد القديم إلى بعض المفاهيم الحديثة الّتي تنطلق من الخوف من الله.
إذًا، فإنّ الالكسر الّذي أحدثته القصيدة الحديثة، ليس كسرًا لله، بل كسر لمفاهيم سلطته السائدة القائمة على السحق والتقييد والفوقيّة القاهرة والبطش…

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …