التعامل مع السعودية، كأي دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي وسيادة ونهج لعام 2030 وابعد، يتطلب دراية وحنكة ودبلوماسية متوازنة، بعيدًا عن السذاجة في السياسة الدولية. يتّضح هذا جليًا عند النظر إلى علاقة رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، مع المملكة. فميقاتي، بشخصيته التي تجمع بين رئاسة الوزراء وامتلاكه لشبكة علاقات واسعة وثروة ضخمة – تقدّرها فوربس بمليارات الدولارات نتيجة أعماله المتنوعة من خلال “إنفستكوم” التي أسسها مع شقيقه – لا يمثل فقط دولة لبنان ومصالحها، بل له امتدادات في كل أنحاء العالم. هذا البعد الاقتصادي الشخصي يؤثر حتمًا على أدائه السياسي وتعامله مع الدول، مما يتطلب أخذه بعين الاعتبار، فمصالحه الخاصة قد تتداخل مع مصالح لبنان العامة، ما يزيد من تعقيد المفاوضات.
ولعلّ تحضيرات ميقاتي المكثفة لزيارته المرتقبة للسعودية، والتي امتدت لأشهر، خير دليل على إدراكه لضرورة التعامل بحِنكة مع هذا الملف. فقد استعان بشبكة من المصادر والمحامين والمستشارين في القطاعات التي يعمل فيها والقطاع المشتركة في لبنان، لرصد معلومات حول علاقات شخصيات نافذة سعودية مع لبنان والعكس، مستغلًّا شبكة علاقاته الواسعة في المملكة. هذا النهج الاستباقي يُمكّنه من فهم الديناميكيات الداخلية والتوجهات السعودية، وتحديد الفرص والتحديات، وتوقّع ردود الأفعال، وبناء استراتيجية تفاوضية فعّالة، بعيدًا عن أية مقاربة سطحية. كما ينعكس هذا الاتجاه في تركيبة بعض وسائل الإعلام التي يستعين بها ميقاتي، والقريبة منه، لرصد المعلومات وتوجيه الرأي العام.

وتترافق هذه التحضيرات مع سعي ميقاتي للحفاظ على مصالح اللبنانيين في السعودية، خاصة المتورطين مع إدارة بايدن وورطات وزير خارجية لبنان بنظرية التاثير على “الخارج”، في ظلّ وضوح الموقف السعودي ورغبتها في استثمارات بقطاع النفط وتسليح جيشها، كما تتضح من تصريحات الأمير عبد العزيز بن سلمان. وهذا يفتح الباب أمام ميقاتي لعرض خبرات وشركات لبنانية للمساهمة في هذه المشاريع، مما يعود بالفائدة على الاقتصاد اللبناني.
لكن في المقابل، الطلب السعودي واضح ويتمثل في تطبيق اتفاق الطائف، بمعنى آخر، عدم التعامل مع حزب الله كقوة مهيمنة. فالاتفاق، الذي أنهى الحرب الأهلية عام ١٩٨٩، نصّ على نزع سلاح جميع الميليشيات. إلا أن تمسك حزب الله بسلاحه، أثار قلق السعودية التي ترى في هيمنة الحزب تعارضًا مع مبادئ الاتفاق وعائقًا أمام استقرار لبنان. وتُظهر العودة إلى الأرشيف موقف السعودية الرافض لتعامل مع حزب الله كقوة سياسية مهيمنة، والذي ترجمته عبر إجراءات كـ سحب سفيرها من بيروت وتعليق المساعدات. ومن خلال تشديدها على تطبيق اتفاق الطائف، تؤكد السعودية رغبتها في رؤية دولة لبنانية سيدة وقادرة على اتخاذ قراراتها بشكل مستقل.

وبهذا خبرة السعودية السابقة مع لبنان من ناحية حملات السفير وليد البخاري لتطبيق اتفاق الطائف، وخاصةً فيما يتعلق بتصدير الأزمات إليها، كما حدث مع تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي وغيرها من الأحداث، تجعل المملكة حذرة وتتوقع إدارة أزمات محتملة. هذا الخوف يضع ميقاتي أمام مسؤولية كبيرة تتجاوز مجرد الاهتمام بالمصالح اللبنانية الضيقة وعليها ان تشكل تحذير لمحامييه في مجال النفط!
فعليه أن يُقدّم ضمانات للسعودية بأنه سيتخذ إجراءات فعّالة لمنع تكرار مثل هذه الأزمات. وهذا يتطلب أكثر من مجرد زيارة دبلوماسية أو اتفاقات اقتصادية. يتطلب تغييرًا في النهج السياسي والإعلامي في لبنان، ويكون ذلك من خلال توجيه الرأي العام فيجب على ميقاتي أن يعمل على توجيه الرأي العام اللبناني نحو فهم أكثر واقعية لمصالح بلاده وعلاقاتها مع السعودية. هذا يعني التخفيف من الخطابات المُعادية للسعودية وتعزيز الخطاب الذي يُركّز على أهمية العلاقة بين البلدين وهذا الامر مستبعد مع جريدة “الاخبار” و”محمد عفيف”. ولا يكفي أن يطبق ميقاتي رغبات السعودية فقط، بل عليه إقناع اللبنانيين بضرورة ذلك لمصلحتهم، إضافة ان عقارب التدخلات في الخارج، والتي يفهم معناها وزير خارجية لبنان لا تعود للوراء.
