في عصر تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الاستقطاب الاجتماعي والتمزق الداخلي من القضايا المحورية التي تهدد استقرار المجتمعات ووحدتها. في هذا السياق، يعكس الواقع الحالي في العديد من الدول التحديات المتزايدة الناتجة عن انتشار الروايات المثيرة للانقسام والتي تُسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي وتقويض الثقة في الحكومات والديمقراطية.
يتعين علينا أن نعي أن الاستقطاب ليس ظاهرة ضارة بذاتها، بل يصبح ضارًا عندما تُستخدم الاستراتيجيات السياسية المثيرة للانقسام لتغذية التحيزات العاطفية وتعميق الهوة بين الفئات المجتمعية. إن الفجوات التي نشهدها اليوم هي نتيجة مباشرة للانقسامات الداخلية والخارجية التي تضاعفت بفعل وسائل الإعلام والتكنولوجيا الرقمية.
لذلك، فإن معالجة هذه التحديات يتطلب منا تبني حلول فعّالة تراعي التفاعلات المعقدة بين الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وفي هذا الإطار، نُقترح الخطوات التالية:
-
الحوار البنّاء: من خلال الاستماع بجدية إلى مخاوف الناس ومشاكلهم، فإننا نضع الأسس لبناء حوار مدني فعال. ليس من الضروري قمع حرية التعبير، بل يجب تشجيع التفاعل المفتوح الذي يساهم في تقديم حلول عملية.
-
معالجة الاحتياجات: يجب على الحكومات والمجتمع المدني السعي لتلبية احتياجات الناس، سواء كانت مادية أو اجتماعية، في إطار عقد اجتماعي جديد يعكس مصالح الجميع ويعزز من شعور الانتماء.
-
مكافحة المعلومات المضللة: نحن بحاجة إلى مراجعة استراتيجيات مكافحة المعلومات المضللة. يجب أن تتجاوز هذه الاستراتيجيات مجرد التحقق من الحقائق، لتشمل العمل مع المبادرات الشعبية والفاعلين الموثوقين في المجتمع، مما يضمن انتشار المعلومات الصحيحة والموثوقة.
-
التعاون الدولي: من الضروري أن نفتح قنوات التعاون مع المجتمع الدولي، مستفيدين من تجارب الدول الأخرى في معالجة الانقسامات الداخلية والخارجية، والعمل المشترك في سبيل مكافحة الاستقطاب.
كما لا يمكننا أن نغفل عن أهمية خرق الاستقطاب الاستبعادي. يجب أن نتعامل مع التهميش والاستبعاد الاجتماعي كأزمات تهدد التماسك الاجتماعي، وأن نعمل على تعزيز الشمولية في عمليات صنع القرار. علينا أيضًا بناء الثقة بين جميع فئات المجتمع (كي لا يربح العدو في عملية فرز امننا القومي) من خلال منصات حوارية تُتيح للجميع التعبير عن آرائهم بكرامة واحترام.
يبقى الأمل في أن نجد الحلول الملائمة لتخطي هذه المرحلة الدقيقة، وأن نعمل جميعًا من أجل وطن مزدهر ومتحد، يعزز من قيم الحوار والتعاون، ويقضي على أسباب الانقسامات الاجتماعية والسياسية.
موقع “الخبر” لن يقترح منصة لصحافة المواطن بشكل تقليدي، باعتبار ان الزمن تخطاها، ففي ظل التطور السريع لوسائل التواصل الاجتماعي مثل “تويتر” و”كلوب هاوس”، حيث أصبح المواطن قادرًا على نشر آرائه والتفاعل في الوقت الفعلي، قد تبدو فكرة “صحافة المواطن” التقليدية غير قادرة على منافسة هذه المنصات. ومع ذلك، يمكن التفكير في نموذج صحافة مواطن يتفوق على وسائل التواصل الاجتماعي الحالية عن طريق تقديم قيمة مضافة تجمع بين التفاعل الفوري والمصداقية العميقة والالتزام بالمهنية مع كل الزملاء، لينافس موقع “مصراس” وهو منصة مصرية تجمع كل وسائل الاعلام المصرية كمحرك بحث مميز.
فكرة “صحافة المواطن” التي تتفوق على وسائل التواصل الاجتماعي:
صحافة المواطن المتخصصة: بدلاً من محاولة تقليد “تويتر” أو “كلوب هاوس” ، او الجزيرة لصحافة المواطن ، في تقديم محتوى سريع وعابر، يمكن تطوير نموذج صحافة مواطن يرتكز على تقديم تقارير عميقة ومهنية من قبل المواطنين في مجالات محددة، وتواصل مباشر مع كل الاعلام اللبناني. على سبيل المثال، يمكن للمواطنين الذين يمتلكون خبرة أو معرفة في مجالات معينة مثل البيئة، الصحة، حقوق الإنسان أو القضايا الاقتصادية أن يقدموا تقارير مبنية على بيانات حقيقية وتحليل معمق.
كيف يمكن أن تتفوق؟
-
المصداقية والعمق: في عالم مليء بالمعلومات المضللة والشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي، ستكون الصحافة التي يشارك فيها المواطنون ولكن تحت إشراف تقني ومهني أداةً قوية لزيادة المصداقية. يمكن للمواطنين الإبلاغ عن قضايا معينة، لكن بدلاً من نشر محتوى عاطفي أو غير موثق، يتعين عليهم التفاعل مع جهات إعلامية أو مؤسسات أكاديمية لتقديم تقارير معمقة ومدعمة بالحقائق.
-
التفاعل المتوازن والمراقبة: توفر وسائل التواصل الاجتماعي مساحة مفتوحة لكل الآراء والنقاشات، لكنها تفتقر إلى الرقابة المهنية التي تضمن دقة المعلومات. الصحافة المواطنية التي تعتمد على معايير تحريرية واضحة وتفاعل فوري مع المتخصصين أو الصحفيين المحترفين يمكن أن توفر تفاعلًا حقيقيًا مع الموضوعات ولكن ضمن إطار تنظيمي يحمي المعلومات من التضليل.
-
النماذج التعاونية: يمكن تكوين منصات صحفية مشتركة بين المواطن والمتخصصين، حيث يشارك المواطنون في جمع وتحليل المعلومات لكن في سياق عمل جماعي، ما يعزز من جودة التقارير. هذه المنصات يمكن أن تسمح للمواطنين بتحقيق أكبر تأثير في تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية أو السياسية التي قد تكون مغفلة أو غائبة عن الإعلام التقليدي.
-
التغطية المحلية الدقيقة: في حين أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تقدم تغطية واسعة النطاق للقضايا، فإن الصحافة المواطنية المتخصصة تتيح فرصة لتغطية الأحداث المحلية بشكل دقيق. في كثير من الأحيان، يفتقر الإعلام السائد إلى تغطية الأحداث المحلية ذات التأثير العميق على المجتمع. من خلال منصات تجمع بين المواطن والصحافة المهنية، يمكن للمجتمع أن يحصل على تغطية محلية أكثر تخصصًا ودقة.
-
التحقق المجتمعي والشفافية: يمكن أن تستخدم هذه الصحافة نموذجًا تفاعليًا للتحقق من المعلومات عبر المجتمع نفسه، حيث يتعاون المواطنون في فحص الحقائق وتحليلها. يمكن أن يشمل ذلك تحليلات جماعية وتقييمات مفتوحة للمواضيع المنشورة، ما يعزز من جودة المحتوى وموثوقيته.