سيمفونية الصراعات السياسية وألعاب الافتراص الإعلامي: it’s a business and PR

 تُقدم صحيفة الأخبار اللبنانية، بقيادة maestro الأوركسترا السياسية غسان سعود، عرضًا سيمفونيًا للصراعات السياسية، حيث تُعزف نوتاتُ الانقسام الحزبيّ على أوتارِ التناقضات، و تُقاس حدةُ التناغم بمقدارِ التنافر بين القوى السياسية. كعالم سياسيّ مُحنّك، أو هكذا يُصوّر نفسه، يستخدم سعود منهجيةً “علمية” فريدة، تُشبه إلى حدٍّ كبير وضعَ كبتاغون في فرن مناقيش – مزيجٌ مُنفجرٌ من المُفارقات. فبينما يُفترض بالعمل الميدانيّ أن يُغذي التحليل الموضوعيّ، نجدُ أنّه يُستخدم كوقودٍ لمحرّكاتِ الافتراص الإعلاميّ، مُحوّلاً الصحيفة إلى منصّةٍ لترويجِ صراعاتٍ مُصمّمةٍ بعناية، و مُقدّمةٍ على طبقٍ من “التحليلات” المُثيرة للجدل.

يبدو أن سعادةَ الزميل سعود، المُتربّع على عرشِ الأخبار برفقةِ قرينته، قد أتقنَ فنَّ التلاعبِ بالرأي العامّ، مُستفيداً من شبكةِ علاقاتٍ مُتشعّبةٍ، نُسجت خيوطُها بعنايةٍ منذ عام 2006، تحتَ رعايةِ “التطميع” و”التشابك” مع حزب الله. ولا عجبَ أن ينجحَ في ذلك، فهو يمتلكُ موهبةً خاصّةً في التقاطِ “نقاطِ الضعف” داخلَ الأحزاب، كـ “التيار الوطني الحر” و “القوات اللبنانية”، ليُحوّلها إلى مادّةٍ دسمةٍ لافتراصاته الإعلامية، مُستخدماً تكتيكاً يُشبهُ إلى حدٍّ كبيرِ عمليةَ “التنصّت” على لجان المناطق، بعيداً عن أعين مركز الأبحاث، الذي يُصيبهُ الغثيان من هذا النهج “غير العلمي”.

وإذا كُنتَ تتساءلُ عن سرّ نجاحِ هذه الاستراتيجية “العبقرية”، فالجوابُ بسيط: الجمهورُ يُحبُّ الدراما! فمَنْ يُريدُ حلولاً مُعقّدةً ومُملّةً، عندما يُمكنهُ الاستمتاعُ بمسرحيةٍ سياسيةٍ مُشوقةٍ، بطولةِ غسان سعود، وإخراجِ صحيفة الأخبار؟ أما عن النتائج؟ فدعنا لا نُفسد المُتعةَ بالحديثِ عن تعميقِ الخلافاتِ، وتعطيلِ الحلولِ، وتشويهِ الواقعِ السياسيّ. ففي النهاية، الهدفُ هو “التأثير”، وليس “التغيير” change management ، أليسَ كذلك؟ وإذا سألكَ أحدهم عن مصداقيةِ كلّ هذا، فما عليكَ إلا أن تُجيبَهُ بسؤالٍ مُستهزئ: “أي أكلة سمك؟” او اسال فادي سعد، عن طرق اخضاع النساء عبر الجنس.

صحيفة الأخبار اللبنانية، عبر سلوكها التحريري المدعوم بخطاب غسان سعود، تروج للصراعات السياسية بطريقة تستهدف تعزيز الانقسامات داخل الأحزاب اللبنانية. تسعى الصحيفة إلى إبراز تناقضات بين القوى السياسية، بما في ذلك الجمعيات السياسية والمدنية التي تدعي الدفاع عن حقوق النازحين اللبنانيين، مما يخلق بيئة تنافسية مشحونة بالزبائنية. العمل الميداني الذي يقوم به سعود يهدف إلى جمع معلومات تساهم في تأطير خط الصحيفة التحريري، الذي يركز على تعزيز الانقسامات الحزبية وتعميق التحالفات مع حزب الله، متجاوزًا الواقع الفعلي لصالح الترويج لصراعات سياسية محددة.

 غسان سعود، بقي هو وزوجته في صحيفة الاخبار. اما حسن عليق لديه منصة منفصلة. لكن علاقات الرجل سعود، ليست محصورة في مكان واحد. بنى على منذ 2006 شبكة من العلاقات بفضل تشابكات وتحالفات حزب الله او “التطميع” بنسب مشاهدي تلك الشريحة.

  تنتهج الصحيفة منذ مدة استراتيجية تستخدم “الافتراص الإعلامي” media manipulation ،  للترويج للأحزاب أو الشخصيات السياسية التي يتبناها الخط التحريري او شبكة العلاقات التي يودون حمايتها التي تعزز مصالحهم في مجمل الاحزاب، على الرغم من أن خلفيته العلمية والسياسية قد تكون أقل من تلك التي يملكها محللون آخرون. هذا يعكس حالة من التداخل بين العمل الصحفي والسياسة حيث يتنقل سعود بين مدح وذم الأطراف بناءً على التقلبات السياسية والظروف الراهنة.
معظم الخط هذا يتبنى تكتيكاً يعتمد على استثمار حالات التوتر والانشقاق داخل الأحزاب الكبرى كـ”التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”. من خلال التركيز على اختلالات داخلية وتوجيه النقد لهم، فيتم استخدام منذ فترة الافتراص الإعلامي لإيصال رسائل تروج للجريدة، بالتركيز على الأخطاء الحزبية والشخصية مع الحفاظ على علاقة مع “قدامى القوات ” من جهة والحركة التصحيحية للقوات من جهة أخرى وبناء علاقات عبر العمل الذي يدعي انه “خيري” سعود عبر منصته وذلك للتغلغل في القاعدة الجماهرية للاحزاب. تروج هذه التكتيكات ليس بالتحليل العميق بل بإثارة الوعي العام نحو تلك الانشقاقات، متجنباً التأثير الفعلي في الحياة السياسية عبر الترويج لصراعات لا تقدم حلولاً.
هكذا تكون صحيفة الأخبار تحت إدارة غسان سعود تستخدم سلوك الافتراص الإعلامي لإعادة صياغة الواقع السياسي في لبنان بما يتماشى مع مصالح حزب الله. فعلى سبيل المثال، تركز الصحيفة على رصد نشاط القوات اللبنانية، مشيدة بعمل الناشطين، ويقول سعود في احد اللقاءات ان سمير جعجع بعيد عن الواقع، ولديه أفكار بعيدة عن القاعدة التي تقدم خدمات اجتماعية. وهذا كلام غير برئ. فهو في واقع الامر  انما هو توجيه اتهامات لسمير جعجع بأنه بعيد عن قاعدته الشعبية، مع تعزيز فكرة إنه قادر ان يحدث “توتر في العلاقات داخل الحزب” مستقبلاً !  في الوقت ذاته، يعزز سعود هذه الرواية بتقوية علاقاته مع قدامى القوات والحركة التصحيحية، مما يسهم في خلق بيئة من الانقسامات الحزبية التي تروج لصراعات تشتت الرأي العام وتحرفه عن الحقيقة.

الامر نفسه مكرر في التيار الوطني الحر، يجمع معلومات من لجان المناطق، بعيدا عن مركز الأبحاث الذي لا يحب هذا النهج غير العلمي، ثم في وقت لاحق، يثور على جبران باسيل، ويواجه جبران باسيل والقدامى سويا بهذه المعلومات، فيخلق بلبلة، وذلك برعاية داليا داغر، التي ستفلت الأمور من يدها ومن يد جاد أبو جودة كالعادة.

هكذا تكون صحيفة الاخبار في صدد، الاعتقاد انها تمسك بزمام ملف الأحزاب، المسيحية من باب القاعدة، مقابل شارع محور المقاومة في جيبها كما تعتقد، وتحضر قاعدة “ترويجية” ستضربها او يمكن ان تضربها “نداء الوطن”. خصوصا ان لا تاثير لسعود في الحياة السياسية بشكل إيجابي لا بل يسعى مع رضوان مرتضى الى الترويج للصراعات، مقدما تحليلات مستندة على غائيته لا نيته لتحديث الأحزاب ووضربها بالعائلات السياسية التي خرقها، مع التركيز على اختلاف مشكلات . ستنجح الأخبار في التأثير على الرأي العام من خلال ترويج الصراعات بدلاً من تقديم حلول عملية، مما يساهم في تعميق الخلافات بدلاً من المساهمة في بناء سياسة وطنية مستدامة.  وسيقول الجميع مع كل انتقاد لغسان: أي اكلة سمك؟ وكم عدد الاعداد “الوهمية” التي تريد ان نشتريها من مكتبات المتن، لترتفع اسهمك “الوهمية” لدى مدراء الصحف!؟  غسان، انه زمن الابداع العلمي!

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …