الحرب وتجارة المخدرات: كيف أحدثت الفوضى تحديثاتٍ مُضحكةً؟

قصة نوح زعيتر وشبكته، صارت أشبه بمسرحية كوميدية عبثية من إخراج الحرب نفسها! قبل الحرب، كان نوح ورجاله يعملون بطريقة تقليدية، بسيطة، كأي تاجري مخدرات من العاديين. مكاتبهم كانت بسيطة، طرقهم مُباشرة، وجميعهم يعرفون بعضهم البعض. كان نظامهم هرميًا، بسيطًا كـ “ألف باء” تجارة المخدرات. لكن الحرب، يا سيدي، جاءت كعاصفةٍ غير متوقعة، أجبرت نوح ورجاله على إعادة اختراع أنفسهم بالكامل، مُطبّقين تحديثاتٍ عصريةً على طريقة توزيع البضائع، لم تكن في حساباتهم من قبل.

فجأةً، تحوّلت شبكة نوح من شركة عائلية صغيرة إلى شركة عابرة للحدود تتّبع أحدث تقنيات التحايل والتخفي. كان على نوح أن يُعيد هيكلة عملياته بالكامل، مُحوّلاً شبكته من هيكلٍ هرميّ واضح إلى خلايا متفرّقة تتّصل ببعضها بأدقّ التواصلات المُشفّرة، بحيث لا يعرف أحدٌ ما يُفعله الآخر تماماً، إلاّ نوح طبعاً، أو ربّما، حتى هو لم يكن يُدرك مدى تعقيد الهيكل الجديد الذي بناه!

تخيل اللّجنة التي اجتمعت لتُقرّر طريقة التوزيع الجديدة، مع نوح يجلس في المركز يُحاول أن يُسيطر على الفوضى العظمى التي أحدثتها الحرب. رجاله يُقترحون طرقاً مُبتكرة مُضحكة، بعضها مُستوحى من أفلام الجواسيس، وآخر من ألعاب الفيديو الاستراتيجية. وأكثر ما يُضحك أنّه كلّما زادت الضغوط، زادت إبداعاتهم في ابتكار أساليب مُضحكة للتحايل على السلطات! قصة نوح وُلدت من فوضى الحرب، لكنّها أصبحت أكثر فوضوية مُضحكة من الحرب نفسه!

في عالم المخدرات، لا شيء يظل سريًا طويلاً، حتى لو كنت “نوح زعيتر”. هذا الرجل، الذي كان يدير شبكة ضخمة لتجارة المخدرات، كان قد أدرك أن الحرب ليست فقط فوضى على الأرض، بل فوضى أيضًا في “اللوغستيات” الخاصة بالمخدرات. فمع تزايد التوترات والتهديدات الأمنية، اضطر نوح وفريقه إلى إعادة هيكلة عملياتهم بشكل عصري. لم تعد عملياتهم تتبع نفس الأنماط القديمة؛ بل أصبح لديهم خطط تقسيم المناطق بين المروجين بطريقة لا يعرف فيها مروج في منطقة ما ما يقوم به مروج آخر في منطقة مجاورة. كأنهم يريدون أن يكونوا بعيدين عن أنظار بعضهم البعض، حتى لو كانوا يتاجرون في نفس السلعة.

وفي حين أن فريق نوح كان يعتقد أنه أصبح على علم كامل بكيفية حماية نفسه من الملاحقات، كانت هناك جهة أخرى تراقب عن كثب: الأحزاب. نعم، الأحزاب السياسية التي طالما تغاضت عن نشاطات نوح وفريقه لأسباب ربما كانت تتعلق بمصالح سياسية أو حتى تعاون غير معلن. لكن مع تطور الأحداث وحساسية الوضع الأمني، بدأت هذه الأحزاب تشعر بالحرج.

لكن هنا تأتي المفاجأة! بدلاً من أن تستفيد الأحزاب من الأوضاع لترفع الغطاء عن “زعيتر” وزملائه، شعروا أن الفضيحة ستكون أكبر من أن يتحملها أي منهم. فلو تم كشف علاقة نوح زعيتر بشبكاتهم، كان من الممكن أن يهدم ذلك كل شيء بنية الحزب السياسية ويدخلهم في دوامة من الاتهامات والتساؤلات.

أما فيما يخص المتابعة الأمنية، فقد كان الراصدون يقفون على أطراف أصابعهم. فالشبكة التي تديرها فرقة نوح زعيتر لا يمكن أن تظل مخفية لفترة طويلة، والبيانات تتوالى من كل صوب. المسألة، لم تعد كتلك التي بناها ذاك العميد الفاسد، عزيزي “المخبر” لشبكة نوح وامثاله،  ذاك المخبر الذي يوقع بتلك الصبية التي تعرف كل شيء عنه! سجين سابق، يقمع تلميذة متفوقة…. تدرك النظريات الاقتصادية ونظريات متعلقة بتجارة المخدرات أَضف أضف انه على الرغم من نظافة كفها! تعرف بالوساخة جيدًا. يعرف باساليب الابتزاز! وتلك لا تهم أي كان! لا تهم من هم بمرتبة الذين يضعون نظافة اليد مقابل الحرية !

ذلك العميد، انتهت أيامه. قسمًاً خصوصا مع عصر التكنولوجيا! فالشك بالمتفوقة والمؤمنة بالحريات الشخصية، أتعرف من فضح! شبكات فساد. بخطا تقني صغير، كشف اللثام عن ما لم تستطع حله وحدها. قد تكون بعض الاحداث خيالية ولكن قسمًا فمن يدخل في تفاصيل الموضوع بشكل انتحاري، يبحث في تقسيم العمل بين المناطق وكشف الطرق المبتكرة التي يستخدمها المروجون. وكلما تطور البحث، كلما اقتربت اللحظة التي ستكشف فيها جميع “الداتا”، لينقض الجميع على زعيتر ومجموعته.

في النهاية، شبكة نوح زعيتر أو غيره مثل لعبة الشطرنج: كل حركة مدروسة بعناية، ولكن لم يكن أحد يتوقع أن يقعوا في المصفاة الأمنية بهذه السرعة. أما الأحزاب، فكانت فقط تراقب من بعيد، خائفة من الفضائح أكثر من خوفها من الحرب.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …