رسالة إلى نزار: هل نسيتَ ضحايا سوريا؟

يُخفي الترحاب الباعث على الإشفاق، الذي يُقدّمه نظام الأسد لزائريه في سوريا، حقيقةً مريرةً. فمن يغادر دمشق مُكرّماً من قبل حزب البعث، متفاخرًا بذلك، لا يُدرك أنه يُشارك في تبييض تاريخٍ دمويّ وطبيعةٍ استبداديةٍ متجذّرة. ربما يدرك، وقانعٌ بذلك، يُدوّن مغامراته على صفحات نساءٍ جميلات، طامحاتٍ بمدّ جسورٍ مع سوريا بأساليبٍ ملتوية، باسم الله! دون أن يدركن أنها جسورٌ مبنيةٌ على جثث، ورقاتٌ تُستخدَم للاحتماء من “الكبار”، لأنهم يخافون الكبار في السياسة، فيُعطون ريشاً مؤقتاً، لإحداث بعض الضوضاء لتشتيت الانتباه عن الأساسيات. التقدير الذي حظي به الزائر من حزب البعث، لا يتعدّى دائرة السلطة والنفوذ، بينما تُهمَل آلام الضحايا وتُنسى معاناتهم في زنازين النظام. “انتصرتم اليوم، بالأمل، ولو أمل صغير”، صرخةٌ تُردّدها أرواحُ الضحايا، “وانتصرنا معكم أمام من وضع من عظامكم سجناً، لنا نحن!”، في نظامٍ يتلوّن بفنّ الممكن، فيستبدل اسم ضحية النظام السوري الميت بالحيّ يرزق، كي ينسى الحيّ، ويموت.

خبر “إطلاق سراح معتقلين من سجن حماة”، الذي تناقلته وسائل الإعلام، يُجسّد هذه المأساة بصورةٍ صارخة. فبينما تُزيّن الصور التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي الواقع، يُعاني الأهالي من مشاعر مختلطة من الأمل والشكّ، مُذكّرين بمعاناة أربعة عقودٍ من اختفاء أبنائهم في سجون النظام. أسرٌ لم تُترك آثار أبنائها وأزواجها طيّ النسيان، لأن حقيرًا زار سوريا، وآخر قرّر نسيان أحياء هناك وهنا! أحياء النظام البائد الذي انتشى بعلاقات دولية ما يكفي اليوم! هذه ليست قضية خاصة، اتفهم؟ اتفهمين؟ النظام السوري، برجاله في لبنان ورجاله في سوريا، مسؤوليةٌ وطنيةٌ وإنسانيةٌ تقع على عاتق الدولة اللبنانية، التي نصفها وصل بفضل انبطاحها للنظام وتأمين مصالحه من لبنان باسم العروبة. وبعدها يُقفل قبورنا، ويُبحث عن كيف يُصلى على قبرنا في ضيعنا، عن يد غبي العائلة الكبير الذي اُترشّح بما يكفي من مراكز، مراكز مراكز يا نزار صاغية فيها مدخول بالآلاف، ليست تلك الألقاب التي تُعبّد الطريق نحو الحرية.

فمطالبة “لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين” بتشكيل لجنة طوارئ مشتركة لتحديد هوية المُفرج عنهم ليست مجرد مُناشدة، بل دعوةٌ للتحرك لحماية سيادة الوطن وكرامة مواطنيه. إنّ أيّ تواصلٍ مع سوريا اليوم، دون الاعتراف بهذه الجراح المُدمّرة، لا يُمثّل مجرد علاقةٍ دبلوماسيةٍ تقليدية، بل هو تواطؤٌ صامتٌ مع نظامٍ يُواصل انتهاكاته لحقوق الإنسان. إنّ تجاهل معاناة المفقودين هو إساءةٌ للقيم الإنسانية وإهانةٌ لِذكرياتِ الضحايا. فلا سلامٌ حقيقيٌّ من دون تسويةٍ عادلةٍ وكشفٍ للحقيقة، وتحقيق العدالة لِجميع الضحايا. إفهمت يا نزار؟ أم نسيت؟ أم مللت؟

أتعلم ما يؤلم يا نزار. أديب!

الى اللقاء يوما!

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …