كيف تمددت إيران عبر البعث في العراق وسوريا؟ ودمر لبنان!

علق حزب البعث اليوم نشاطه في سوريا! لا يمكن قراءة أزمة الشرق الأوسط دون فهم الدور الذي لعبه حزب البعث في العراق وسوريا وتأثيراته على المنطقة. فقد شكّل البعث، في نسختيه العراقية والسورية، أداة غير مباشرة لتعزيز النفوذ الإيراني، مما أدى إلى تعميق الانقسامات الطائفية وإضعاف الأمن الإقليمي.

 إيران والبعث العراقي: التمدد عبر الطائفية والانهيار

  السياسات القمعية لحزب البعث (العلماني في الشكل) في العراق، مثل إقصاء الشيعة والكرد، خلقت بيئة من الانقسامات الطائفية والمذهبية. وفقًا لـ Faleh Abdul-Jabar في كتابه “The Shi’ites and Politics in Iraq”، فإن البعث استغل الطائفية كأداة سياسية لتعزيز سيطرته، مما أدى إلى تفكيك النسيج الوطني والدولة . كما ان أدى الى إضعاف الدولة وفتح المجال لإيران:عبر الاضعاف اذ ان  القمع الطائفي للبعث أضعف الدولة العراقية ومهد الطريق لإيران لتوسيع نفوذها داخل العراق بعد سقوط النظام البعثي عام 2003. انهيار النظام أدى إلى ظهور فراغ سياسي وأمني، استغلته إيران لدعم الميليشيات الشيعية، مثل “الحشد الشعبي”، التي أصبحت أدوات لزيادة نفوذها في المنطقة وزعزعة أمن الخليج. ساهم هذا التمدد الإيراني، المدعوم من إرث البعث، في تصعيد الحركات الطائفية، تدفقات اللاجئين، وزيادة التوترات مع دول الخليج التي ترى في النفوذ الإيراني تهديدًا مباشرًا لاستقرارها.

  إيران والبعث السوري: التحالف الاستراتيجي

منذ وصوله إلى السلطة عام 1963، حكم حزب البعث السوري بقبضة أمنية مركزية، وتحالف مع إيران، خاصة بعد الثورة الإسلامية عام 1979. هذا التحالف أصبح ركيزة أساسية لتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. البعث السوري دعم جماعات مثل “حزب الله” اللبناني، الذي يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن دول الخليج. هذا الدعم ساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي وزيادة التوترات مع الدول الخليجية. قمع البعث السوري للمعارضة الداخلية خلق دولة ضعيفة تعتمد على التحالف مع إيران لضمان بقائها، مما عزز النفوذ الإيراني داخل سوريا وأتاح لها موقعًا استراتيجيًا لتهديد أمن المنطقة.

المشترك بين البعث العراقي والسوري وتأثيره الإقليمي

إن التشابه بين النظامين البعثيين في العراق وسوريا يظهر أن تأثيرهما لم يقتصر على الداخل فحسب، بل امتد ليشكل أزمات إقليمية، مع استغلال إيران لهذه الأوضاع لترسيخ وجودها في الشرق الأوسط. النموذجان العراقي والسوري لحزب البعث يحملان سمات مشتركة ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة وتعزيز التدخلات الخارجية، خاصة النفوذ الإيراني. أبرز هذه السمات تشمل الطائفية كأداة سياسية فاعتمد كل من البعث العراقي والسوري على الطائفية لتعزيز سيطرتهما على الحكم، مما أدى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي المحلي وإضعاف الدول الوطنية. هذا النهج الطائفي خلق انقسامات داخلية دائمة استُغلت لاحقًا من قبل أطراف إقليمية لتعزيز نفوذها. ركز النظامان على استخدام الأجهزة الأمنية كأداة أساسية لقمع المعارضة السياسية والاجتماعية. هذه السياسات خلقت دولًا هشة، غير قادرة على مواجهة التدخلات الخارجية، وأصبحت تعتمد على حلفاء خارجيين للبقاء في السلطة.

في العراق، استفادت إيران من ضعف الدولة بعد سقوط نظام البعث، بينما استند البعث السوري على تحالفه مع إيران لضمان استمراره في الحكم. هذه التحالفات ساهمت في تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة وجعلت العراق وسوريا منصتين للتدخلات الإيرانية في شؤون دول الجوار. كل ذلك ساهم إرث البعث في العراق وسوريا، المدعوم من إيران، في تصعيد التوترات مع دول الخليج. النفوذ الإيراني، الذي تعزز عبر دعم الميليشيات المسلحة والجماعات المناوئة، شكل تهديدًا مباشرًا للأمن الخليجي وزاد من حالة عدم الاستقرار الإقليمي.

التخلص من إرث البعث في العراق وسوريا لا يقتصر على معالجة التداعيات الداخلية، بل يشمل مواجهة النفوذ الإيراني الذي استفاد من هذا الإرث. تحقيق استقرار إقليمي مستدام يتطلب تفكيك منظومة الطائفية والتدخلات الإقليمية التي خلفها البعث، مع إعادة بناء الدول الوطنية على أسس شاملة وديمقراطية تحترم التنوع وتضمن الاستقرار الإقليمي.

حزب الدعوة الإسلامية: انطلاقة كرد على هيمنة البعث واستبداده

في أواخر الخمسينيات، وفي ظل هيمنة الأيديولوجيات القومية واليسارية على الساحة السياسية في العالم العربي، ظهر حزب البعث كقوة مهيمنة في العراق ، متبنيًا شعارات القومية العربية والعلمانية. هذا الصعود أثار قلق القوى الإسلامية التي شعرت بتهميش واضح للهوية الدينية. كرد فعل على هذه الهيمنة، تأسس حزب الدعوة الإسلامية عام 1957 في مدينة النجف الأشرف، معقل المرجعية الشيعية، ليقدم رؤية إسلامية شاملة تتحدى نفوذ البعث وتعيد الدين إلى مركز الحياة السياسية والاجتماعية.

جاء حزب الدعوة(من مؤسسيه محمد مهدي شمس الدين)كحركة ثورية تهدف إلى مواجهة الأيديولوجية البعثية التي رآها قادته أداة لطمس هوية الأمة الدينية. اعتبر الحزب أن القومية العلمانية التي تبناها البعث لا يمكن أن تكون أساسًا لبناء مجتمع عادل، بل أداة لتفكيك الروابط الدينية والثقافية. كما عبر السيد محمد باقر الصدر، أحد مؤسسي الحزب، بقوله: “القومية التي تنكر الدين لا يمكنها أن تكون وسيلة لإنقاذ الأمة، بل هي أداة لطمس هويتها.”

واجه حزب الدعوة منذ تأسيسه سياسات البعث القمعية التي استهدفت التيارات الإسلامية بشكل خاص. ومع تصاعد قوة البعث وسيطرته الكاملة على العراق في عام 1968، دخل الحزب في مواجهة مفتوحة مع النظام. كان قانون عام 1980، الذي اعتبر الانتماء لحزب الدعوة جريمة عقوبتها الإعدام، نقطة تحول كبرى دفعت الحزب نحو العمل السري والمعارضة المسلحة.

لم يكتفِ حزب الدعوة بمقاومة البعث على المستوى الفكري، بل تحول إلى حركة تنظيمية منظمة، استلهمت مبادئها من الفكر الشيعي الذي يدعو إلى إقامة نظام سياسي عادل مستمد من الشريعة الإسلامية. ارتبط الحزب ارتباطًا وثيقًا بالمرجعية الدينية في النجف، خاصة مع وجود شخصيات مثل السيد محمد باقر الصدر، الذي أسهم في صياغة توجهاته الفكرية والسياسية. هذا الارتباط منح الحزب شرعية دينية وشعبية واسعة في مواجهة النظام البعثي.

مع تصاعد القمع البعثي، انتقل الحزب من المعارضة الفكرية إلى العمل المسلح، متحالفًا مع إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية. أنشأ الحزب معسكرات تدريب في إيران، مثل “معسكر الشهيد الصدر”، وساهم في تنفيذ عمليات ضد نظام صدام حسين، مما جعله أحد أبرز خصوم البعث في تلك المرحلة.

على الرغم من أن حزب الدعوة تأسس كبديل إسلامي للنظام البعثي، إلا أنه كان مختلفًا جذريًا عنه. بينما اعتمد البعث على القومية العربية والعلمانية كأيديولوجية مركزية، قدم حزب الدعوة الإسلام كهوية شاملة وسياسية. وفي حين اعتمد البعث على الأجهزة الأمنية والقمعية لترسيخ سلطته، استند حزب الدعوة إلى المرجعية الدينية والتعبئة الشعبية في بداياته.

حزب الدعوة، الذي انطلق كحركة مقاومة أيديولوجية وسياسية ضد البعث، نجح في الحفاظ على وجوده رغم القمع الوحشي، وأسهم بشكل كبير في الإطاحة بنظام البعث بعد عام 2003. ورغم ذلك، أثارت مرحلة ما بعد سقوط النظام تساؤلات حول مدى التزام الحزب بمبادئه الأولى، خاصة بعد أن أصبح جزءًا من السلطة. لقد كان حزب الدعوة الإسلامية في جوهره حركة ثورية جاءت لمواجهة استبداد البعث، ولكنه واجه تحديات كبيرة في مسيرته لتحقيق رؤيته لدولة إسلامية عادلة.

 تمدّد حزب البعث وحزب الدعوة إلى لبنان وأثره على التركيبة اللبنانية

مع تصاعد قوة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وسوريا، وظهور حزب الدعوة الإسلامية كحركة معارضة إسلامية، انتقلت تأثيراتهما إلى لبنان، مما أدى إلى تغييرات جذرية في التركيبة الاجتماعية والسياسية للعائلات اللبنانية. هذه التأثيرات، التي حملت معها تناقضات الأيديولوجيات البعثية والدينية، تركت بصمات عميقة على النسيج اللبناني المعقد.

حزب البعث، الذي تبنى خطابًا اشتراكيًا ضد الإقطاع، ركز على تحرير الفلاحين من الاستغلال. ومع ذلك، فإن التطبيق الفعلي لهذا الخطاب كان مليئًا بالتناقضات. كما أشار محمد حسنين هيكل في كتابه “السياسة القومية العربية”

“رغم خطابه الاشتراكي، تحالف البعث في بعض الأحيان مع الإقطاعيين لتأمين الدعم السياسي، خاصة في الريف السوري والعراقي.”

هذا التناقض ظهر بوضوح عند تمدد البعث إلى لبنان. استغل الحزب البنية الإقطاعية في المناطق الريفية اللبنانية ليؤمن نفوذه، مما أدى إلى تعزيز الانقسامات الاجتماعية بين العائلات. على الرغم من أن البعث رفع شعارات التحرر من الإقطاع، إلا أنه في الواقع اعتمد على دعم الإقطاعيين المحليين لتعزيز حضوره السياسي في لبنان، متجاهلًا الأثر الاجتماعي السلبي لهذه التحالفات.

في الوقت نفسه، مع تنامي نفوذ حزب الدعوة الإسلامية في العراق وانتقاله إلى لبنان، تأثرت التركيبة اللبنانية التي تتميز بتوازن طائفي حساس. قدم حزب الدعوة خطابًا دينيًا سياسيًا يدعو إلى إقامة دولة إسلامية، مما أدى إلى استقطاب فئات من الشيعة اللبنانيين الذين كانوا يبحثون عن هوية سياسية جديدة في مواجهة التحديات الطائفية.

هذا التحول، كما أشار عزمي بشارة في كتابه *”الأزمة البنيوية في الفكر البعثي”*:

> “الخطاب الاشتراكي أو الديني لا يصبح إلا أداة لخلق استقطابات جديدة حين يُستخدم في أنظمة غير قادرة على بناء مؤسسات وطنية جامعة.”

تحول هذا الخطاب إلى أداة لاستقطاب العائلات اللبنانية وإعادة تشكيل تحالفاتها بما يخدم أجندات إقليمية، مما زاد من تعقيد المشهد اللبناني الذي يعاني أصلًا من توازن هش بين الطوائف.

تمدّد البعث والدعوة إلى لبنان لم يكن مجرد انتشار أيديولوجي، بل كان له أثر عميق على العائلات اللبنانية. أدى هذا التمدد إلى:

إضعاف الهوية الوطنية اذ استبدلت الولاءات التقليدية للعائلات اللبنانية بولاءات حزبية عابرة للحدود، مما أدى إلى انقسامات داخلية في البنية العائلية نفسها. كما استفاد حزب الدعوة من الطائفية لتعزيز نفوذه بين الشيعة اللبنانيين، بينما عزز البعث الانقسامات الاجتماعية من خلال تحالفاته مع الإقطاعيين. إضافة الى إعادة إنتاج الإقطاع بوجه جديد او حرفه  كما أشار باتريك سيل في كتابه *”The Ba’th and Agrarian Reform in Syria”*:

   > “إصلاح الأراضي أدى إلى نزاعات اجتماعية بسبب سوء توزيع الموارد.”

   هذه النزاعات انتقلت إلى لبنان مع محاولة البعث تطبيق رؤاه الاشتراكية بطريقة تعزز السيطرة السياسية دون تحقيق عدالة اجتماعية.

تمدّد حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الدعوة الإسلامية إلى لبنان كان جزءًا من تأثير إقليمي أوسع، ولكنه ترك أثرًا مدمرًا على التركيبة اللبنانية. تناقضات الأيديولوجيات، سواء البعثية أو الإسلامية، زادت من الاستقطابات الطائفية والاجتماعية، وضربت العائلات اللبنانية في صميم تركيبتها الوطنية. في نهاية المطاف، كانت هذه التحركات جزءًا من صراعات إقليمية أوسع دفعت لبنان إلى دوامة من التوترات الداخلية والتبعية الخارجية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …