تأثير الحروب والأزمات اللبنانية على الأضعف والأصغر في العائلة.. قسمًا ستسجنون!

في ظل الأزمات والحروب التي عاشها لبنان، ويعيشها لبنان، أصبح تفكك النسيج الاجتماعي والعائلي ظاهرة متكررة، لا بل قاعدة “طبيعية”. خاصة في البيئات التي تعاني من الفقر والعنف، او الصراع على السلطة وسط فقر وضعف وجريمة. هذا التفكك يؤدي إلى تآكل المساحات الآمنة داخل الأسرة، وهي المساحات التي تتيح للأفراد الأضعف والأصغر سنًا الشعور بالأمان النفسي والجسدي. عندما تتحول العائلة من ملاذ آمن إلى بيئة مليئة بالتوتر والجريمة، واحد يطمئن “اللا طعن” والأخر يغرز سيخا في رأسك لتجيير موارد ضعيف، يصبح الأطفال الضحية الأولى لهذا الانهيار، حيث يجدون أنفسهم عرضة للاستغلال بأشكاله المختلفة، سواء كان ذلك على المستوى الجسدي أو النفسي أو الاجتماعي. فحتى نظام الوصاية يتحول الى أداة جرمية.

الأطفال في هذه البيئات يُجبرون على التعامل مع ظروف تفوق قدرتهم على التحمل، مثل العنف المنزلي، التجنيد غير القانوني، أو حتى الاستغلال الجنسي والعمالة القسرية ، والاف المشاكل الأخرى التي ستتفاقم ان لم يعرف كل شخص حجمه دوره في مسار النمو هذا، فالطفل، غير راشد بعد، ليس عبئاً تتخلص منه “باغتصاب” او بكسر الارجل او قص الجناحين، لتحد الخيارات، وفق ما تريد ان تفرضه من سيطرة عليه، او سطوة او هيمنة للتحكم بمقدراته او مستقبله او آماله لان أي كان يشعر بعقدة دونية. هذا الاستغلال لا يدمر فقط حاضرهم، بل يمتد ليؤثر بشكل عميق على مستقبلهم، حيث يترسخ داخلهم شعور دائم بعدم الأمان والضعف، ما يتركهم غير قادرين على بناء علاقات صحية أو استعادة السيطرة على حياتهم في المستقبل.

التعلق غير الآمن وتأثيره على العلاقات المستقبلية

نتيجة لهذا الجو العائلي المضطرب، يعاني الأطفال من ما يُعرف بـ”التعلق غير الآمن”. علم النفس التنموي يؤكد أن العلاقة الأولى التي يشكلها الطفل مع والديه أو مقدمي الرعاية هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع علاقاته المستقبلية. في الأسر التي يسودها العنف والإهمال، يصبح هذا التعلق مضطربًا وغير آمن، مما يؤدي إلى مشكلات عميقة في الشخصية والتفاعل الاجتماعي.

الأطفال الذين يعانون من التعلق غير الآمن يطورون أنماطًا سلوكية دفاعية. قد يتجنبون العلاقات الحميمة خوفًا من الأذى أو التعلق الزائد بشخصيات غير مناسبة، ما يعرضهم للاستغلال المتكرر والذل. هذا التعلق المضطرب يمنعهم من تطوير الثقة بأنفسهم وبالآخرين، مما يؤدي إلى علاقات غير مستقرة تؤثر على صحتهم النفسية والاجتماعية طوال حياتهم.

كيفية التصدي لعلاقات الاستغلال

للتصدي لهذه الظاهرة، يجب اتخاذ خطوات عملية تهدف إلى كسر هذه الحلقة المدمرة. أولاً، ينبغي توفير دعم نفسي متخصص للأطفال الذين تعرضوا للاستغلال أو عاشوا في بيئات غير آمنة عبر برامج تدخل. هذا الدعم يمكن أن يساعدهم على فهم تجاربهم ومعالجتها بطريقة صحية، مما يعيد بناء الثقة بأنفسهم وبالآخرين.

ثانيًا، يجب العمل على إعادة بناء البيئة العائلية لتكون داعمة وآمنة، حتى لو بالقضاء!  يتطلب ذلك توعية الأسر بأهمية التواصل المفتوح والاحترام المتبادل، واحترام الخصوصيات أيضا، بالإضافة إلى تقديم تدريب متخصص للآباء حول كيفية تلبية الاحتياجات العاطفية للأطفال بشكل صحيح.

الدولة تتحمل مسؤولية أساسية في حماية الأطفال من الاستغلال والحد من تأثير البيئة الجُرمية. يجب أن تبدأ هذه المسؤولية بسن قوانين صارمة تُجرّم جميع أشكال استغلال الأطفال، مع وضع عقوبات واضحة ورادعة للمخالفين. لكن القانون وحده لا يكفي؛ يجب أن تترافق هذه الخطوة مع إنشاء مراكز حماية تقدم خدمات شاملة، بما في ذلك الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال وعائلاتهم.

إلى جانب ذلك، تحتاج الدولة إلى التركيز على تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسر الأكثر هشاشة. الأزمات الاقتصادية غالبًا ما تكون المحرك الرئيسي لانعدام الأمان داخل العائلات، حيث يدفع الفقر ببعض الأفراد إلى ممارسات جرمية، بينما يُجبر الأطفال على العمل أو التسول للمساهمة في إعالة الأسرة.

دور المؤسسات التربوية ووزارة التربية

المؤسسات التربوية، بما في ذلك وزارة التربية، تُعتبر عنصرًا أساسيًا في هذا النهج الشامل. يجب أن تعمل المدارس كملاذ آمن للأطفال، حيث يمكنهم التعلم والتعبير عن أنفسهم بعيدًا عن الضغوط العائلية، وإزالة فكرة ان الطفل عبئ عليهم، . لتحقيق ذلك، يمكن تطوير مناهج تعليمية تُعزز من فهم الأطفال لحقوقهم وكيفية حماية أنفسهم من الاستغلال، والا انت خارج المنظومة هذه! او كل المنظومات المتحضرة ومكانك “السجن”.

بالإضافة إلى ذلك، يجب تدريب المعلمين على اكتشاف علامات الاستغلال والعمل على تقديم الدعم المناسب للطلاب المتضررين. يمكن للمدارس أن تصبح حلقة وصل بين الأطفال والخدمات الاجتماعية، مما يسهم في توفير الحماية والرعاية اللازمة.

إعادة تأهيل الأفراد الذين تورطوا في استغلال الأطفال أو الذين عاشوا طفولة مليئة بالعنف والتهميش يُعد خطوة حاسمة لكسر دائرة الجريمة والاستغلال. يحتاج هؤلاء الأفراد إلى برامج تأهيل نفسي واجتماعي تُساعدهم على تجاوز تجاربهم السابقة وتطوير مهارات جديدة تعيد إدماجهم في المجتمع. كما يجب تقديم دعم مهني يمكنهم من تحقيق الاستقلال المادي بعيدًا عن النشاطات الجُرمية.

مع تفاقم الأزمات اللبنانية، يصبح من الضروري تبني نهج شامل يضم جميع الأطراف الفاعلة في المجتمع. الدولة، المؤسسات التربوية، المجتمع المدني، وحتى العائلات، جميعهم يتحملون مسؤولية خلق بيئة تدعم الأطفال وتوفر لهم الحماية. حماية الأضعف ليست فقط التزامًا أخلاقيًا، بل هي أيضًا استثمار في استقرار المجتمع ومستقبله. من خلال تضافر الجهود، يمكن للبنان أن يعيد بناء نسيجه الاجتماعي ويؤمن بيئة آمنة تُعزز النمو النفسي والإنساني للجميع.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …