في تلك الحقبة المظلمة، عندما كانت الهيمنة السورية جاثمة على صدر لبنان، لم يكن النضال من أجل السيادة مجرد مطلب سياسي، بل كان صرخة وجود، تعبير، تحقيق ذات يمر بمركزية صارمة من الشخصيات الفاعلة، صرخة تنبع من أعماق القلوب الشابة التي رفضت أن تخضع. يومها أخذت الحركة الطلابية السيادية على عاتقها مهمة نبيلة، مهمة إحياء الأمل في النفوس اليائسة. لم تكن الطريق مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالأشواك والعقبات. واجهوا القمع والترهيب والاعتقالات، وتعرضوا للمطاردة والتضييق. كان النظام السوري يرى فيهم تهديدًا وجوديًا، فلم يدخر وسعًا في محاولة إسكات أصواتهم. كانت التضحيات جسيمة، فقد سقط شهداء أبرار في ساحات الجامعات وعلى أرصفة الشوارع، شهداء لم يبخلوا بدمائهم فداءً للوطن. ومع ذلك، لم تستسلم هذه الحركة، بل زادتها هذه التضحيات إصرارًا على مواصلة الدرب. بعض خسر مستقبله، حدت خياراته كثيراً، وأصبحت هدف دائم كما يقول بعض الرفاق “صوفتو حمرة”.
كانت الحركة الطلابية السيادية أكثر من مجرد تنظيم سياسي، كانت عبارة عن حالة وجدانية، حالة من التكاتف والتآزر، حالة من الإيمان العميق بقضية عادلة. كانوا شبابًا وشابات، يجمعهم حب الوطن والغيرة عليه، ويتجاوزون الانقسامات السياسية والطائفية. تكتلوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان لدينا غرف عمليات. ومنتديات.
لقد أثبتوا للعالم أن قوة الشباب لا تقهر، شخنا. وأن الإرادة الحرة أقوى من أي قوة قمعية. لقد كانوا النواة الصلبة للمقاومة المدنية، والمحرك الأساسي لكسر هيمنة النظام السوري وتحقيق استقلال القرار اللبناني.
تلك الأيام، على قساوتها، كانت ملهمة ومؤثرة. لقد علمتنا أن النضال لا يتوقف عند حدود، وأن التغيير ممكن مهما كانت الظروف صعبة. لقد تركت الحركة الطلابية السيادية بصمة لا تُمحى في تاريخ لبنان، وبقيت مثالًا يحتذى به في الشجاعة والتضحية والإيمان بالوطن. حتى مع التنكر. لو مؤلم. كانه سكين في القلب.
في كتاب “المؤسسة الجامعية والحركات الطلابية: بين التكامل والتمزق”، يشير المؤلفون إلى أن الحركات الطلابية غالبًا ما تبدأ بمطالب تعليمية محددة، لكنها سرعان ما تتوسع لتشمل قضايا اجتماعية وسياسية أوسع. هذا التوسع يؤدي أحيانًا إلى تداخل أولويات الحركات الطلابية مع حركات أخرى، أو حتى تغطيتها على قضايا أكثر إلحاحًا.
على سبيل المثال، يبرز الكتاب كيف أن حركة مايو 1968 في فرنسا بدأت بإصلاحات تعليمية، لكنها تطورت لتصبح حركة اجتماعية شاملة، مما أدى إلى تراجع الأولويات الأصلية للحركة لصالح قضايا أكبر. هذا التداخل يعكس الطبيعة الديناميكية للحركات الطلابية وكيف يمكنها إعادة تشكيل أولوياتها وفقًا للظروف المحيطة.
في لبنان، شكلت الحركة الطلابية السيادية نواة المقاومة المدنية ضد الهيمنة السورية في لبنان خلال مرحلة صعبة تاريخيًا، حيث لعبت دورًا رئيسيًا في كسر سيطرة النظام السوري وتحقيق استقلال القرار اللبناني.
في حديثه، أكد دانيال سبيرو، أمين شؤون الطلاب الأسبق، في مقابلة له مع ستريدا بعينو، أن هذه الحركة جمعت قوى سياسية عدة، أبرزها حزب الكتائب اللبنانية (كانت التسمية بين لبناننا بين الكتائب الوطني الحر)، الوطنيين الأحرار، والقوات اللبنانية. تحت اسم “حركة السيادة الطلابية”، وحدت هذه المكونات جهودها لمواجهة النظام اللبناني-السوري المشترك في ذلك الوقت، مما جعلها تمثل رمزًا للنضال الطلابي والسياسي.
الحركة السيادية عملت على ثلاث مستويات وفق سبيرو، المستوى الفكري، تثقيف الشباب بقضيتهم وتعزيز الوعي بضرورة التحرر الوطني. العمل الميداني، تنظيم المظاهرات، الاعتصامات (وهنا كان يلقبنا السوري او الإيراني لاحقا باولاد الشوارع لا المكاتب باعتبار لم نكن نملك مكاتب – تدخل من المحرر )، والندوات السياسية داخل الجامعات. والسياسي، التنسيق مع القوى المعارضة داخليًا وخارجيًا، مثل الحزب الاشتراكي وتيار المستقبل.
رغم ذلك، واجهت الحركة ضغوطًا هائلة تمثلت في:
-
اعتقالات قادة الحركة الطلابية: أبرزها في أحداث 7 آب، حيث تعرض عدد كبير من النشطاء للاعتقال.
-
الاغتيالات السياسية: كان أبرزها اغتيال رمزي عيراني، رئيس قسم الجامعة اللبنانية، وبيير بولس.
-
القمع الميداني: الأجهزة الأمنية التابعة للنظام اللبناني-السوري استخدمت أساليب قمعية لإضعاف الحراك الطلابي، مما أدى إلى موجة من الغضب وتصاعد النضال.