من المصالح الظرفية إلى القطيعة الأبدية: قراءة في علاقة رموز الذاكرة عفلق وعون، ومستقبلها المتوقع

 يقال إن السياسة هي فن الممكن، ولكن ما حدث بين ميشال عفلق وميشال عون كان أقرب إلى فن “المستحيل الممكن”. تخيل اثنين من النقيضين: الأول منظّر قومي عربي يحلم بوحدة الأمة، والثاني جنرال لبناني يمجد الهوية الوطنية، يلتقيان في مشهد يشبه “زواج المصلحة” في مسرحية هزلية. ولكن، كما هو الحال في أي دراما سياسية، ينتهي المشهد بمغادرة كل طرف المسرح بمجرد انتهاء الدور الذي يخدمه.

في كتابه “من ميشال عفلق إلى ميشال عون: تجارب في علاقة مستحيلة”، يكشف فايز قزي عن هذه العلاقة المعقدة التي جمعت بين رمزين مختلفين في الفكر والتوجه. لم تكن هذه العلاقة علاقة صداقة أو تحالف مبني على أسس فكرية مشتركة، بل كانت، كما وصفها الكتاب، “تجارب في علاقة مستحيلة”، علاقة ظرفية، استغل فيها كل طرف الآخر لتحقيق مصالحه الآنية. إن فهم هذه العلاقة، التي بدت في ظاهرها تعاونًا، وفي باطنها استغلالًا متبادلًا، يقودنا إلى استشراف مستقبلها المتوقع في حال تغير الظروف السياسية، خاصةً مع سقوط نظام بشار الأسد.

 عفلق وعون: التقاء المصالح في لحظة تاريخية حرجة

يؤكد الكتاب في بدايته أن العلاقة بين ميشال عفلق وميشال عون كانت “تجارب في علاقة مستحيلة”، وأنها لم تكن لتحدث إلا في لحظة تاريخية فاصلة. “عفلق، كرمز للفكر القومي، لم يكن ليتقاطع مع عون، كرمز للجيش والسياسة في لبنان، إلا في لحظة تاريخية حرجة”. هذا التوصيف يعكس حقيقة أن العلاقة لم تكن نابعة من قناعات فكرية مشتركة، بل من التقاء المصالح الظرفية في وقت معين. لقد كان عفلق، الذي يمثل الفكر القومي العربي، يبحث عن قوة في لبنان تساعده على تحقيق بعض أهدافه، بينما كان عون، الذي يمثل التيار الوطني اللبناني، يبحث عن دعم لتعزيز موقفه السياسي.

استغلال متبادل: عفلق وعون في لعبة المصالح

كان عفلق ينظر إلى عون كشخصية وطنية لبنانية، ولكنه لم يره امتدادًا للفكر القومي العربي الذي كان يؤمن به. في المقابل، لم يكن عون مهتمًا بالفكر القومي العربي الذي كان يتبناه عفلق، بل كان أكثر اهتمامًا بالوطنية اللبنانية ومصالحها. هذه الاختلافات الفكرية والأيديولوجية لم تمنع الطرفين من التعاون، لكن هذا التعاون كان استغلالًا متبادلًا. “عفلق كان يتعامل مع عون بحذر، ولكنه كان يرى فيه قوة يمكن أن تخدم بعض أهداف القومية العربية في لبنان”، بينما “عون لم يكن مهتمًا بالفكر القومي العربي الذي كان يتبناه عفلق، بل كان أكثر اهتمامًا بالوطنية اللبنانية ومصالحها”. هذا يوضح أن كلاً منهما كان يستخدم الآخر لتحقيق أهدافه، دون أن يكون هناك أي تقارب حقيقي في وجهات النظر.

 علاقة ظرفية محكومة بالسياسة

يوضح الكتاب أن العلاقة بين عفلق وعون كانت محكومة بالظروف السياسية، وأنها انتهت بمجرد تغير هذه الظروف. “إنّ العلاقة بين عفلق وعون كانت علاقة ظرفية، فرضتها الأحداث، ولم تكن علاقة مبنية على أساس فكري أو أيديولوجي”. هذا يؤكد أن العلاقة لم تكن متينة أو قائمة على أسس راسخة، بل كانت مجرد تحالف مؤقت، سرعان ما سينتهي بمجرد زوال الظروف التي أوجدته. العلاقة لم تكن شخصية، بل كانت مبنية على المصالح المتبادلة، وإن كانت مصالحًا ظرفية.

مستقبل العلاقة بعد سقوط نظام الأسد: قطيعة محتملة

بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين عفلق وعون، وبالاستناد إلى ما ذكره الكتاب عن أنها علاقة ظرفية ومبنية على المصالح، يمكننا استشراف مستقبل هذه العلاقة في حال سقوط نظام بشار الأسد. نظام الأسد، الذي كان يمثل نقطة التقاء مصالح عفلق وعون في مرحلة معينة، كان يوفر لهما أرضية مشتركة للتعاون، حتى وإن كان هذا التعاون مبنيًا على استغلال متبادل. ولكن، مع سقوط هذا النظام، ستزول هذه الأرضية المشتركة، وسينكشف التباين الفكري والأيديولوجي بينهما، مما يجعل استمرار العلاقة أمرًا مستبعدًا.

مع سقوط نظام الأسد، من المتوقع أن يتراجع نفوذ الفكر القومي العربي الذي كان يمثله عفلق، لصالح التيارات الوطنية والإقليمية. في المقابل، سيعزز سقوط النظام من جبران كزعيم للتيار الوطني اللبناني، وسيجعله أقل حاجة إلى دعم من أي جهة خارجية اي سيتجه الى التماسك مع حزب الله. هذه التطورات ستؤدي إلى تباعد كبير بين الطرفين، وسيجعل استمرار أي نوع من العلاقة بينهما أمرًا غير منطقي.

علاوةً على ذلك، فإن التحولات السياسية التي قد تصاحب سقوط النظام السوري ستضعف أي روابط ظرفية سابقة. “عفلق وعون، رمزان لمدرستين مختلفتين، كانا بحاجة إلى ظروف خاصة للتعاون، ومع زوال هذه الظروف، لا مكان لاستمرار العلاقة بينهما”. هذا يعني أن القطيعة بين الطرفين ستصبح أمرًا محتمًا.

 تبقى العلاقة بين ميشال عفلق وميشال عون درسًا في كيفية استخدام المصالح الظرفية لخدمة أهداف سياسية، وكيف أن العلاقات المبنية على هذه الأسس لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. الكتاب يكشف لنا أن هذه العلاقة لم تكن مبنية على أسس راسخة، وأنها كانت محكومة بالظروف السياسية. ومع سقوط نظام الأسد، فإن هذه العلاقة ستتلاشى، وسيصبح كل طرف في مسار مختلف، بعيدًا عن الآخر، لتثبت أن العلاقة التي لم تنشأ على أسس فكرية مشتركة، لا يمكن أن تدوم إلى الأبد.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …