لبنان: عندما تتحول الدولة إلى “مطعم” والمواطنون إلى ضحايا؟

يواجه لبنان وضعًا متدهورًا حيث يرزح المواطنون تحت وطأة الابتزاز من قبل الطبقة السياسية الحاكمة. تتسبب سياسات التفقير الممنهجة في تحويل البلاد إلى مجرد “مطعم” يوفر الاحتياجات الأساسية فقط، وذلك على حساب الهوية الوطنية ومستقبل الشعب وطموحاته في العيش الكريم. هذا الوضع يمكن تشبيهه بامرأة تُدفع إلى ممارسة الدعارة، حيث يتم ربط قوتها وقدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية، مثل الكهرباء لمنزلها، بقدراتها الجنسية. وإذا لم يكن هذا الخيار متاحًا، يتم ابتزازها لبيع ممتلكاتها الشخصية لتأمين لقمة العيش.

إن تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمية لعقود من الفساد والمحاصصة الطائفية والسياسات الاقتصادية الخاطئة، إلى جانب تداعيات الحرب والأزمات السابقة التي أرهقت البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. تعثرت خطة التعافي الاقتصادي التي كان من المفترض أن تشكل خارطة طريق لإنقاذ البلاد، إذ لم تُنفّذ أي من الإصلاحات الجوهرية المطلوبة، سواء من قبل صندوق النقد الدولي أو الجهات المانحة الدولية. غياب الإرادة السياسية ورفض القوى المسيطرة التخلي عن امتيازاتها جعلا أي محاولة جدية للإصلاح تبدو كأنها سراب.

في هذا السياق، يواجه لبنان خطر الانضمام إلى “اللائحة السوداء” من قبل المنظمات الدولية المالية، وفي مقدمتها مجموعة العمل المالي (FATF). هذه اللائحة تعني أن لبنان يُعتبر دولة عالية المخاطر في ما يتعلق بتمويل الإرهاب وتبييض الأموال، وهو ما سيؤدي إلى فرض مزيد من القيود على التحويلات المالية والمعاملات المصرفية الدولية. دخول لبنان إلى هذه اللائحة لن يقتصر تأثيره على القطاع المالي فقط، بل سيمتد ليشمل التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر، ما يعني مزيدًا من العزلة الاقتصادية والانهيار.

إن هذا الوضع هو المنفذ المثالي للدول الخبيثة لفرض تعديلات على الهوية الوطنية اللبنانية بما يخدم أيديولوجياتها ومشاريعها التوسعية. تعتمد إيران، على سبيل المثال، على استراتيجية مدروسة للتغلغل في الدول الضعيفة اقتصاديًا وسياسيًا، مستغلة أزمات هذه الدول لتحقيق أهدافها الإقليمية. كما يوضح ذلك كتاب “سياسة إيران التوسعية في الشرق الأوسط”، حيث جاء فيه: “تسعى إيران إلى توسيع نفوذها عبر إضعاف الهياكل الوطنية القائمة واستبدالها بكيانات موالية لها، مستخدمة أدوات متعددة تشمل الاقتصاد، الإعلام، والمليشيات المسلحة”.

إن الخطر الوجودي يكمن في أن إيران تعتمد بشكل رئيسي على الطائفية كأداة لتحقيق سياساتها التوسعية. كما جاء في كتاب “الطائفية كاستراتيجية إيرانية”: “توظف إيران الطائفية ليس فقط كوسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي، بل كأداة لتمزيق النسيج الاجتماعي للدول المستهدفة، مما يضمن ولاء جماعات معينة على حساب الهوية الوطنية الجامعة”.

عند النظر إلى وضع المرأة الذي تم ذكره سابقًا، نجد أن عملية الابتزاز الاقتصادي التي تجبرها على بيع ممتلكاتها أو جسدها، تتطابق مع سياسة إيران في استغلال تداعيات الحروب والصراعات لفرض سيطرتها. فالضغوط الاقتصادية والاجتماعية تُستخدم كأداة لإضعاف المجتمعات المستهدفة وجعلها أكثر قابلية للانقياد والارتهان.

إن هذا النهج الإيراني يجد بيئة خصبة في لبنان بسبب غياب الهوية الوطنية الجامعة. إن الفقر المتزايد والفراغ السياسي يجعل الشريحة الاجتماعية المعبأة أيديولوجيًا أكثر عرضة للاستغلال تحت غطاء الحرب والصراعات الطائفية. وهذا ما يعمق الأزمة الوطنية ويزيد من خطورة التلاعب بالهوية والذاكرة الجماعية.

الإصلاحات المطلوبة لا يمكن أن تكون انتقائية أو مجتزأة. أي محاولة لتعزيز الطائفية على النسق الإيراني قد تأتي مغلفة بخطاب علماني يستمد زخمه من الدين نفسه، أو حتى عبر جهات شيوعية أو قومية سرية بعثية تتبنى شعار العلمانية كواجهة جذابة. هذه الاستراتيجية تستخدم العلمانية أحيانًا كأداة جذب لجماعات جديدة، ثم يتم التنكيل بها أو تحجيمها أو إبرازها حسب الحاجة. هذا ما أشار إليه كتاب “الاستراتيجية الإيرانية بين الدين والعلمانية”: “تعتمد إيران على استقطاب الحركات الشيوعية أو القومية كأدوات مؤقتة لتحقيق أهدافها، ثم تعيد توجيهها أو تحييدها حسب المرحلة، بحيث يتم تقديم خطاب واحد وواقع مغاير تمامًا”.

كما تشير دراسة بعنوان “مدخل إلى الدبلوماسية الدينية: دور الدين في تثبيت النفوذ الإيراني وصنع السياسة الخارجية” إلى أن: “الدبلوماسية الدينية قد تكون أيضًا ديبلوماسية دينية سلبية، ونقصد بهذا، أن يكون الدين أحد الوسائل التي تستعملها الدول خدمة لمصالحها السياسية والوطنية، ووسيلة لزيادة النزاعات والقلاقل والمشاكل داخل الدول غير الحليفة أو الدول الأعداء”.

هذا الاستخدام المزدوج للعلمانية والدين يتيح لإيران وحلفائها، مثل “حزب الله”، التلاعب بالمجتمع المدني والدبلوماسية لتحقيق مصالحهم، بينما تتلاشى هذه الواجهات عند مواجهة الأنظمة القمعية مثل النظام السوري، حيث تسقط الشعارات أمام واقع التعذيب والقمع.

إن الحلول لهذه الأزمة الوجودية تتطلب أولاً استعادة الثقة بين الدولة والشعب، عبر تطبيق إصلاحات جذرية وشفافة تشمل النظام المصرفي، القضاء، والإدارة العامة. كما يتطلب الأمر إعادة بناء ذاكرة وطنية جامعة، تكون بمثابة أساس لإعادة ترميم العقد الاجتماعي بين اللبنانيين. دون ذلك، سيبقى لبنان عالقًا في حلقة مفرغة من الأزمات، يتأرجح بين انهيار تام وأمل مفقود في التغيير.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …