لبنان بين العبث الإقليمي والانقلاب المستتر: قراءة في المأزق السياسي الراهن

إن محاولة استجرار لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو كرافعة لفرض أجندات سياسية على الداخل السعودي ليست مجرد مغامرة، بل هي انزلاق مدوٍّ نحو الهاوية. فمن يعتقد أن تعديل اتفاق الطائف، سواء برعاية سعودية مشروطة أو استجابةً لأصوات دولية تنادي بالتحديث، سيكون مجرد تعديل دستوري، يجهل أن هذا الباب المفتوح لن يؤدي إلا إلى انقلابات متتالية في الداخل السعودي، واهتزازات عميقة في بنية النظام الإقليمي بأكمله.

استهداف تركي آل الشيخ، أو فريقه، أو مصالحه في لبنان والشرق الأوسط، هو لعب بالنار في حقل ألغام سياسي واقتصادي، حيث تترابط المصالح السعودية بشرايين النفط العالمية والاستثمارات العابرة للقارات. إن حملة الضغط التي يقودها رجال أعمال مؤثرون في صناعة النفط الأمريكية ليست مجرد ورقة ضغط، بل هي ترس في آلة جيوسياسية تدور منذ سنوات، وكل عبث بمفاصلها سيدفع الجميع، دون استثناء، نحو أفق مسدود.

أما في لبنان، فإن أي تفاعلات دولية تحاول التأثير في الاستحقاق الرئاسي عبر أوراق خارجية أو تسويات فوقية ليست سوى نوع من الغباء السياسي الفاضح. فالاستحقاق الرئاسي ليس مجرد كرسي يُملأ باتفاق أو بإملاء خارجي، بل هو نتيجة لتوازنات داخلية دقيقة، تتشابك مع توازنات إقليمية أوسع.

إن حزب الله، الذي يعيد تموضعه اليوم على الأرض اللبنانية بتقنيات وأساليب جديدة، يربط إعادة التموضع هذه بالاستحقاق الرئاسي بشكل مباشر. وهنا تكمن الحقيقة القاسية: لا حرب ستصل إلى نتيجة حاسمة، ولا تسويات فوقية ستغيّر شيئًا من جوهر الأزمة. لأن لبنان، بكل تعقيداته، لا يُحكم بمنطق الغلبة ولا يُدار بإملاءات الخارج.

إن أكبر الغباء السياسي يكمن في الاعتقاد بأن لبنان يمكن أن يكون حقل تجارب لمشاريع إقليمية أو دولية دون أن تكون هناك كلفة. فالبلد الذي عانى ويلات الحرب الأهلية، وتشرذم بفعل تجاذبات الخارج، لن يحتمل اليوم مغامرات جديدة تضاف إلى أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

التاريخ يُعلّمنا أن التسويات لا تُفرض، وأن الأوطان لا تُدار عبر وكلاء أو بأجندات مموّلة من الخارج. من يعتقد أن لبنان يمكن أن يكون ورقة تفاوض في معارك النفوذ، يخطئ في الحسابات. ومن يظن أن الرئاسة في لبنان هي مجرد تفصيل عابر، لا يدرك أن كل حجر يُحرك في هذه الرقعة الصغيرة يُحدث ارتدادات تتجاوز حدودها بكثير.

الغباء الحقيقي ليس في التفاصيل، بل في المشهد الكلي: لبنان لا يمكن أن يكون جائزة ترضية لأحد، ولا يمكن أن يتحمّل كلفة معارك الآخرين. كل محاولة للعب بهذه الورقة، ستعود بخسائر على الجميع، ولن يخرج منها أحد منتصرًا.

في زمن التحولات الكبرى، يبدو المشهد الإقليمي كرقعة شطرنج تتشابك فيها الأيادي، وتختلط فيها الأهداف. من يراهن على اهتزاز الداخل السعودي، سواء عبر استهداف رموز مثل تركي آل الشيخ أو فريقه أو مصالحه الاقتصادية في لبنان والشرق الأوسط، لا يفهم حقيقة المعادلة: السعودية دولة محورية في ميزان القوى الإقليمي والدولي، وركيزة ثابتة في مشهد يتهاوى فيه الكثيرون.

لكن المفارقة الموجعة هي أن أي عبث بأمن السعودية أو محاولات زعزعة استقرارها لن تُحدث الشرخ المتوقع في الداخل السعودي، بل ستتردد أصداؤها في لبنان، ولبنان فقط. ذلك البلد الرقيق كخيط الحرير والمتصدّع كجدار قديم، هو الذي سيدفع الثمن وحده. سيهتز لبنان عن بكرة أبيه، ولن تتجاوز ارتدادات الأزمة حدود صخور صنين ولا أمواج المتوسط.

إن موازين القوى الدولية والإقليمية لا تعمل بمعزل عن الداخل اللبناني. فمن يملك القراءة الصحيحة، يفهم أن الاستفادة من هذه الموازين لتحقيق الاستحقاق الرئاسي ليست مجرد معادلة محلية، بل هي لعبة دولية معقدة. الولايات المتحدة تضع ثقلها في ملف النفط والغاز، والسعودية تسعى لتثبيت أقدامها في مرحلة ما بعد التحولات الكبرى، وإيران تناور على خطوط النار.

لكن السؤال يبقى: هل يُمكن للبنان أن يستفيد من هذا التوازن الدولي لتحقيق استحقاقه الرئاسي؟ الجواب بسيط ومؤلم: لن يحدث ذلك إذا بقي لبنان رهينة التجاذبات.

حزب الله، الذي يتقن فنون التموضع وإعادة الانتشار، يفهم هذه الحقيقة جيدًا. إعادة التموضع ليست مجرد تكتيك عسكري، بل هي رسالة سياسية تقول: “إن الرئاسة في لبنان ليست ملفًا يُحسم عبر ضغوط أو تسويات فوقية”.

إن اللعب على التوازنات الدولية لتحقيق مكاسب سياسية في الداخل اللبناني يتطلب عقلًا استراتيجيًا يعرف متى يتحرك ومتى يتوقف. أما العبث بأوراق الاستقرار الإقليمي، سواء في الداخل السعودي أو في الساحة اللبنانية، فهو لعبة خاسرة.

الغباء السياسي الأكبر هو الاعتقاد بأن لبنان يمكن أن يُحكم أو يُدار بمنطق الضغط أو الإملاء الخارجي. من يظن أن اهتزاز الداخل السعودي سيُفضي إلى حل لبناني، يجهل أن الارتدادات ستبقى محصورة في لبنان، ولن تُحدث أي تغيير في الرياض.

إن منطق التسويات لا يُبنى على الأوهام. الاستحقاق الرئاسي لن يُحسم إلا عندما يُدرك الجميع أن موازين القوى الدولية يمكن أن تكون فرصة، لا ساحة معركة إضافية. وحتى ذلك الحين، سيبقى لبنان معلقًا على حبال الانتظار، رهينة أوهام من يعتقد أن اهتزاز الخليج سيُسقط الثمار في بيروت.

إن رجال الأعمال اللبنانيين المرتبطين بمصالح نفطية أمريكية، إذا تورطوا في لعبة خبيثة تهدف إلى زعزعة العلاقة بين السعودية وأمريكا أو استهداف نفوذ المملكة الإقليمي، فهم بذلك يحرقون أنفسهم بنارٍ لن تُبقي لهم مكانًا لا في الرياض ولا في واشنطن. العلاقة بين السعودية وأمريكا أعمق وأعقد من هذه الحسابات السطحية. إنها علاقة توازن مصالح واستراتيجيات كبرى، لا تُكسر بمغامرات صبيانية تُدار من تحت الطاولات، ولا تُفسدها صفقات هامشية تُبرم في ظلال الأوهام.

إن من يعتقد أن السعودية ستُدفع إلى الزاوية عبر هذا النوع من التكتيكات الرخيصة، يشبه امرأة تظن أن عذريتها وحدها كافية لجذب رجل، متجاهلة أن الجاذبية الحقيقية تُبنى على الخبرة والنضج والثقة بالنفس. الأنوثة، كالسعودية، لا تُقاس بالرخص ولا بتقديم اللحم الرخيص على موائد المقامرين. إنها قيمة ناضجة تُستمد من التاريخ والحكمة والقدرة على إدارة المصالح الكبرى.

السعودية لم تكن يومًا دولة قابلة للابتزاز أو الضغط بورقة لبنان أو أي ورقة إقليمية أخرى. إن جاذبيتها السياسية والاقتصادية ليست عرضًا عابرًا على مائدة السوق الرمادية، بل هي نتاج تاريخ من التوازنات والحكمة في إدارة الملفات الساخنة.

أما هذا المخطط الذي يُحيكه بعض الحالمين من زوايا معتمة، فهو محكوم بالفشل. لأن التأثيرات التي ترتقي بلبنان لا تأتي من محاولات هدم علاقات دولية عريقة، بل من البناء على هذه العلاقات لتحقيق استقرار يُنتج حلولًا دائمة.

لقد أثبتت تجربة “لسان جورج قرداحي” ومستشاريه الخسيسين أن هذا النهج المدمر لا يقود إلا إلى انهيارات متتالية. عندما أطلق قرداحي تصريحاته الشهيرة، لم يكن يدرك أنه ليس مجرد صوت إعلامي، بل نقطة اشتعال في علاقات إقليمية كبرى. لقد كاد لبنان يدفع الثمن من اقتصاده وأمنه واستقراره، لأن صوتًا واحدًا انطلق من منبر صغير وتحوّل إلى أزمة إقليمية.

الذين يقامرون بمصالح لبنان اليوم لا يفهمون أن أي محاولة لضرب السعودية من البوابة اللبنانية لن تؤذي المملكة، بل ستُسحق بيروت تحت ركام حسابات خاطئة. إن زعزعة العلاقة بين الرياض وواشنطن ليست لعبة يمكن أن تُدار من بيروت أو من قصور عتيقة على ضفاف المتوسط.

إن الحكمة تفرض أن يفهم اللبنانيون، خاصة رجال الأعمال، أن مصلحتهم ليست في اللعب على الحبال المشدودة بين القوى الكبرى، بل في استثمار العلاقات الوثيقة لبناء وطنهم. السعودية ليست مجرد طرف إقليمي، بل هي حجر زاوية في استقرار المنطقة، وأي محاولة لاستهدافها لن تكون سوى هزّة إضافية في جسد لبنان المُتعَب.

إن العبث بالثوابت الكبرى لم يُنتج يومًا نصرًا، بل خلّف وراءه أطلالًا وذكريات مريرة. وحدها الحكمة السياسية، النضج في التعامل مع العلاقات الدولية، والبعد عن المغامرات الصبيانية، يمكن أن ينقذ لبنان من هذه الدوامة التي تكاد تبتلع الجميع.

إن لعبة شدّ الحبال في العلاقات الدولية، كما يحاول البعض أن يُديرها على الساحة اللبنانية، ليست سوى مسرحية هزلية قديمة أُعيد إنتاجها بوجوه جديدة. من يعتقد أن بإمكانه استغلال التوترات بين السعودية وأمريكا لتحقيق مكاسب ضيقة هنا أو هناك، ينسى حقيقة أساسية: في عالم مُعولم بالمعرفة والمصالح المتشابكة، أي شدّ حبل سيؤدي إلى سقوط الجميع في الهاوية.

هذه ليست مجرد معركة نفوذ على أرض هامشية. العالم اليوم أشبه بميدان مُراقب بعدسات دقيقة، حيث كل حركة، كل تصريح، وكل مناورات خلف الأبواب المغلقة، تُكشف أمام مراكز القرار العالمي. أي محاولة لإدارة الصراع عبر لبنان أو استثمار تناقضات السعودية وأمريكا لن تخلق إلا حالة من الفوضى العميقة، ستلتهم الجميع دون استثناء.

في عالم حيث المال يتدفق عبر أنظمة مالية مترابطة وشديدة الحساسية، وحيث المصالح لا تتجزأ، أي تصعيد أو محاولة ابتزاز لن تُسفر عن تدفق أموال على طرف ثالث، بل ستؤدي إلى تجميدٍ شامل في الاستثمارات، وتعطيلٍ للمصالح المشتركة، وتدمير ما تبقى من فرص للنهوض بلبنان.

هذه اللعبة ليست مجرد صراع على فتات مائدة. إنها محاولة من عناصر محدودة التفكير لتقاسم “جبنة” مصالح بين مجموعة متواطئة تظن أنها أذكى من أن تُكشف خططها. لكن في نظام عالمي مفتوح، حيث الشفافية هي السلاح الأقوى، هؤلاء ليسوا سوى لاعبين هواة على رقعة شطرنج يراقبها خبراء مخضرمون.

لقد أثبتت التجارب أن أي محاولة لزعزعة التوازن بين قوى كبرى، كالولايات المتحدة والسعودية، عبر وسيط صغير كلبنان، ستؤدي إلى خسارة لبنان أولًا، وإلحاق الضرر بكل الأطراف المتشابكة في هذه اللعبة.

السعودية، بنضجها السياسي والاقتصادي، ليست ساحة سهلة للمناورة. والولايات المتحدة، رغم براغماتيتها، ليست كيانًا يمكن جره إلى مواجهات جانبية دون حسابات دقيقة. وحده لبنان، بهشاشته السياسية واقتصاده المترنح، سيكون الحلقة الأضعف التي ستنكسر أولًا.

هذه الجبنة، التي تحاول بعض العناصر تقاسمها تحت الطاولة، ليست سوى وهم. في الحقيقة، هي فخ سيُطبق على الجميع. العالم اليوم لم يعُد يتحمل رفاهية المغامرات ولا حروب الوكالة الساذجة. أي خطوة خاطئة في هذا الاتجاه ستشعل أزمات أكبر، ولن تكون هناك مائدة يتقاسمون فوقها أي شيء.

إن لبنان اليوم ليس بحاجة إلى سماسرة أزمات ولا مقامرين بالمصير الوطني، بل إلى رجال دولة حقيقيين يدركون أن العلاقات الدولية ليست ساحة لتقاسم الجبنة، بل منظومة توازنات دقيقة، إذا اختلّ أحد أركانها، سقطت على الجميع.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

زيارة جوزيف عون إلى واشنطن: الدعم الأميركي للجيش بين وعود ترامب ومطرقة الكونغرس

في أول زيارة لرئيس لبناني إلى العاصمة الأميركية واشنطن منذ عام 2009، حمل الرئيس جوزيف …