بزوغ فجر الترفيه في السعودية: رحلة تدريجية عبر المثاقفة ودور المواهب العربية، مع التركيز على مكافحة الفساد والتغيير الاجتماعي

شهدت المملكة العربية السعودية تحولًا ملحوظًا (تدريجيا ذروته عام ٢٠١٥) في قطاع الترفيه خلال السنوات الأخيرة، وهو تحول لم يأتِ فجأة، بل كان نتيجة لمسار تدريجي من المثاقفة والانفتاح الواعي. لم يكن الأمر مجرد استيراد للنماذج الترفيهية الغربية، بل كان تفاعلًا ديناميكيًا بين الأصالة والمعاصرة، بين الهوية الوطنية والانفتاح على العالم، إضافة إلى الاستفادة من الخبرات والمواهب العربية المتميزة، والتي كان للبنان دور هام فيها. هذا التحول لم يقتصر على الجانب الترفيهي فحسب، بل كان له أثر عميق على التغيير الاجتماعي الداخلي، مع التركيز على بناء قطاع نظيف وشفاف، يحمي المواهب ويساهم في تنمية المجتمع، مع التأكيد على أن هذا التطور لا يتعارض مع الهوية الإسلامية للمملكة.

المثاقفة كعامل محفز للتغيير

المثاقفة، كما يعرفها عالم الاجتماع روجرز في كتابه “Diffusion of Innovations”، هي “العملية التي يتم من خلالها تبني أفكار وممارسات جديدة من قبل الأفراد أو المجموعات”. هذه العملية لم تكن غائبة عن المشهد السعودي. فبعد سنوات من التركيز على الجوانب الدينية والثقافية التقليدية، بدأت تظهر الحاجة إلى تنويع الأنشطة الترفيهية بما يتناسب مع تطلعات جيل شاب متعطش للتجارب الجديدة. هذه الحاجة لم تكن مقتصرة على المملكة فقط، بل كانت جزءًا من تحول إقليمي، استفادت منه المملكة عبر الاستعانة بالمواهب العربية، بما في ذلك المواهب اللبنانية المتميزة في مجالات الفن والإنتاج والإدارة.

التدرج في الانفتاح: من السينما إلى الفعاليات العالمية

لم يكن الانفتاح على الترفيه عملية مفاجئة، بل كانت سلسلة من الخطوات المدروسة. ففي البداية، كان هناك التركيز على السماح بالأنشطة الترفيهية المحدودة مثل المهرجانات الثقافية والفنية، التي كانت في الغالب تعكس جوانب من التراث السعودي. ثم بدأت السينما في العودة تدريجيًا، في خطوة كانت تعتبر جريئة في ذلك الوقت، ولكنها كانت ضرورية لتعزيز صناعة الترفيه المحلية، كما يقول الباحث “ديفيد ثومبسون” في كتابه “The Globalization of Hollywood”: “تعتبر صناعة السينما محركًا ثقافيًا واقتصاديًا قويًا، ولها تأثير كبير على المجتمعات التي تتبناها”.

بعد ذلك، بدأنا نشهد استضافة فعاليات عالمية كبرى مثل الفورمولا 1 والمباريات الرياضية العالمية، مما أدى إلى تعريض المجتمع السعودي لمستويات جديدة من الترفيه والأنشطة التي لم تكن متاحة من قبل. هذه الخطوات لم تكن لتنجح لولا وجود فريق عمل متخصص، يضم كفاءات عربية، بما في ذلك مواهب لبنانية، شكلت النواة الأساسية للفرق التي أدارت هذه الفعاليات. ومن الجدير بالذكر أن هذه الكفاءات لم تظهر فجأة، بل كانت نتيجة لعمل دؤوب ورعاية بدأت منذ سنوات، وبالتحديد منذ عام 2001، مما يؤكد أن هذه الخبرات كانت متراكمة ومنظمة، وليست وليدة اللحظة. ولكن في ظل هذا التطور، كانت هناك محاولات من قوى الفساد لاستغلال هذه البيئة الجديدة.

التوازن بين الأصالة والمعاصرة ودور المواهب العربية

أحد أهم جوانب هذا التحول هو الحرص على الحفاظ على الهوية الثقافية السعودية الأصيلة. فالمملكة لم تسعَ إلى استيراد النماذج الترفيهية الغربية بشكل أعمى، بل عملت على تكييف هذه النماذج بما يتناسب مع القيم والتقاليد المحلية. على سبيل المثال، نجد أن الحفلات الموسيقية والمهرجانات الفنية التي تقام في المملكة غالبًا ما تتضمن عروضًا للتراث السعودي، أو أعمالًا فنية مستوحاة منه، وهذا ما يؤكده “هومي بابا” في كتابه “The Location of Culture” حيث يشدد على أن الهوية الثقافية ليست ثابتة بل هي في حالة تفاعل مستمر مع الثقافات الأخرى. هنا يبرز دور المواهب العربية، بما في ذلك اللبنانية، في تقديم رؤى إبداعية تساهم في هذا التوازن، مع التركيز على تقديم محتوى ترفيهي هادف ومسؤول.

تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي

لا يمكن إغفال دور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذه العملية. فقد ساهمت هذه الأدوات في تعريض الشباب السعودي لأنماط ترفيهية مختلفة حول العالم، وخلقت لديهم الرغبة في تجربة هذه الأنشطة في بلدهم. كما ساهمت هذه المنصات في خلق حوارات ونقاشات حول الترفيه، مما ساهم في زيادة الوعي بأهميته كجزء من الحياة اليومية.

الاستثمار في البنية التحتية للترفيه

لم يقتصر الأمر على مجرد السماح بالأنشطة الترفيهية، بل تم أيضًا استثمار مبالغ ضخمة في البنية التحتية اللازمة لدعم هذا القطاع. فتم إنشاء مدن ترفيهية ومراكز ثقافية وملاعب رياضية عالمية المستوى، مما ساهم في توفير بيئة جاذبة للترفيه والاستثمار في هذا القطاع.

حماية المواهب وتعزيز الأمن والاستقرار: مكافحة الفساد والتحديات

إن الاستثمار في قطاع الترفيه يتطلب أيضًا حماية المواهب ورعايتها، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا القطاع في جميع أنحاء العالم عرضة للفساد والتحديات الأخلاقية، بما في ذلك محاولات الاختراق من قبل مافيات المخدرات والدعارة. هنا تبرز أهمية الحذر واليقظة، فكما يقول أحد المفكرين: “في عالم الإعلام والسياسة، ليس الخطر بحد ذاته هو ما يجذب الانتباه، بل الطريقة التي يُضخّم بها. فالخطر المُضخّم يُحوّل القضية إلى أولوية، ويجعلها حديث الساعة، مما يفتح أبواب النفوذ وبناء التحالفات. إن تعظيم الخطر ليس مجرد أداة للإثارة، بل هو فنّ استراتيجي لصياغة الرأي العام وتوجيه الأنظار نحو أهداف محددة”. هذا ينطبق أيضًا على محاولات الفساد، حيث قد يتم تضخيم بعض المخاطر لتبرير التغلغل في القطاع. لذلك، يجب العمل على:

  • حماية الموهوبين: من خلال حمايتهم من التسرب والانسحاب أو الانحراف عن مسارهم الإبداعي، وهذا يشمل حمايتهم من الوقوع في براثن المخدرات والدعارة، والتي غالبًا ما تتسلل إلى هذا القطاع، خاصة مع تزايد حجم الاستثمارات. يجب أيضًا مساعدتهم على مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية التي قد تعيق تطورهم، وتوفير الدعم اللازم لمواجهة الضغوط الحياتية، مع توفير بيئة عمل آمنة وصحية، تعزز من قيم النزاهة والشفافية. لقد حرص تركي آل الشيخ على حماية فريقه “برموش العينين”، بالاستفادة من المواهب الخام وتطويرها، والتركيز على تنمية الموهبة نفسها بدلًا من الانخراط في أجواء الكازينوهات والمخدرات والدعارة، وحمايتهم من الاحتكار، مما ساهم في دمج هذه المواهب في المجتمع السعودي ضمن مفهوم المثاقفة، وتعزيز القيم الإيجابية.

  • تعزيز الأمن والاستقرار: من خلال تهيئة قيادات واعية قادرة على الكشف عن المشكلات والصعوبات التي قد تواجه قطاع الترفيه والعمل على حلها، والمساهمة في تطوير منظومة أمنية متكاملة للقطاع، تعتمد على الشفافية والنزاهة، ومكافحة الفساد بكل أشكاله. يجب أيضًا تعزيز القيم الإيجابية ونشر الوعي الثقافي والأمني في المجتمع من خلال الأنشطة الترفيهية الهادفة، التي تعكس قيم المجتمع الأصيلة وتحافظ على تماسكه. ومن الجدير بالذكر أن هناك محاولات من مافيات الفساد، بما في ذلك المخدرات والدعارة، لاختراق فريق العمل المسؤول عن قطاع الترفيه، وخاصة خلال الفترة الانتقالية، وبلغت ذروتها عام 2006، وذلك بهدف إضعاف مقاومة الفريق للفساد وتسهيل اندماج عناصر فاسدة، مستغلةً في ذلك بيئة لبنان الخصبة للفساد أو عدم انتباه بعض القيادات لتلك المخاطر. هذا ما دفع المملكة للتعبير عن قلقها من انتشار المخدرات، خاصة الكبتاغون، والتي تعتبر جزءًا من المشكلة التي تواجه قطاع الترفيه في المنطقة. خصوصًا مع وجود مدرسة سيمون أسمر، واللبنانية للإرسال، التي تعتمد على الاستحواذ بدل الدمج، فترمي صاحب العلاقة صغيرًا وتستحوذ على مقتنياته، وهو ما يظهر مساوئ الاستحواذ لا الاندماج في التعامل مع المواهب.

دور لبنان والاستفادة المتبادلة

إن مشاركة المواهب اللبنانية والعربية في هذا التحول لا تقتصر على استفادة السعودية فقط، بل هي فرصة للبنان أيضًا. فمن خلال المساهمة في تطوير قطاع الترفيه السعودي، تكتسب المواهب اللبنانية خبرات قيمة وتفتح لها آفاقًا جديدة، مما يساهم في تعزيز المشهد الثقافي والإبداعي في لبنان أيضًا. فالمثاقفة هنا ليست عملية أحادية الاتجاه، بل هي تفاعل وتبادل للمنافع بين الدول والثقافات. هذه المشاركة تتجاوز بكثير أي اعتبارات سياسية أو محلية، فلا علاقة لها بنيابة نائب لبناني محلي أو وزير محلي يعرقل المسيرة، ولا بعثرات مثل قضية جورج قرداحي. حتى لو كان الموهوب اللبناني يعيش في لبنان وسط الفساد والتحديات المستمرة، فإن مشاركته في هذا التحول تفتح له أبواب العالمية، وتمكنه من تقديم صورة إنسانية للبنان، تتجاوز التفاصيل السياسية والصراعات الداخلية (لا علاقة لها بنائب بضيعة او عيلة او عشيرة)، وتبرز قدرة اللبنانيين على الإبداع والتألق، وتذكر العالم بأن “اسم العيلة” وتفاصيلها المحلية ستصبح من الماضي، إذا استمرت الحروب والصراعات في المنطقة. فالموهبة والإبداع هما اللذان سيبقيان، وهما اللذان سيعرفان عن لبنان في العالم.

التغيير الاجتماعي وأثره على المجتمع السعودي

إن التطور التدريجي لقطاع الترفيه في السعودية لم يكن مجرد مسألة ترفيه، بل كان محركًا للتغيير الاجتماعي، كما يشير مركز الفكر للدراسات والأبحاث في دراسته حول “هيئة الترفيه العامة في السعودية”، حيث يذكر: “إن الترفيه يمثل أحد أهم روافد التغيير الاجتماعي في المجتمعات، فقد أسهم بشكل كبير في تعزيز الحراك الاجتماعي والثقافي في المملكة، وأتاح للمواطنين فرصة أكبر للتعبير عن ذواتهم وتلبية احتياجاتهم الترفيهية والثقافية”. هذا الاقتباس يؤكد أن الترفيه ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أداة للتنمية والتغيير الاجتماعي الإيجابي، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على هذا القطاع من براثن الفساد.

نماذج شبيهة في هوليوود وبوليوود

تاريخ صناعة الترفيه، وخاصة في هوليوود وبوليوود، مليء بقصص عن محاولات الفساد والتلاعب، وانتشار المخدرات في أوساط الفنانين والعاملين في هذا القطاع. ففي بعض الحالات، يتم دمج عناصر فاسدة في الشركات أو المشاريع من البداية، مما يؤدي إلى استغلال الموارد والتلاعب بالقوانين. إليك بعض الأمثلة:

  • هوليوود: بالإضافة إلى الفضائح التي ذكرناها سابقًا، هناك قصص عديدة عن تورط بعض الممثلين والمنتجين في قضايا مخدرات، مثل قضية الممثل River Phoenix الذي توفي بسبب جرعة زائدة، أو قضية الممثل Lindsay Lohan التي عانت لفترة طويلة من إدمان المخدرات. هذه الحالات تسلط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين في قطاع الترفيه، خاصة الشباب منهم.

  • بوليوود: صناعة السينما الهندية (بوليوود) أيضًا لم تسلم من هذه المشكلة، فهناك العديد من الحالات التي تم فيها القبض على ممثلين أو منتجين بتهمة تعاطي المخدرات أو الاتجار بها، كما حدث في فضيحة المخدرات التي هزت بوليوود في عام 2020، وكشفت عن تورط العديد من الشخصيات البارزة في صناعة السينما الهندية. هذه الحالات تؤكد أن مشكلة المخدرات ليست محصورة في هوليوود فقط، بل هي مشكلة عالمية تؤثر على قطاع الترفيه بشكل عام.

ثورة 2014 ومفهوم المثاقفة

كانت هناك بوادر لثورة ثقافية واجتماعية في السعودية منذ عام 2014، قبل إنشاء هيئة الترفيه بشكل رسمي، حيث بدأت تنتشر أصداء حول ضرورة الانفتاح على العالم وتنويع الأنشطة الترفيهية. هذه الثورة كانت مدفوعة برغبة جيل شاب في التغيير والتعبير عن ذواتهم، وكان هذا جزءًا من عملية المثاقفة التي كانت تحدث في المجتمع السعودي.

برنامج ربيع قرطبة: رسالة التغيير

برنامج “ربيع قرطبة” كان أحد الأمثلة على هذه الموجة التغييرية، حيث سعى إلى تقديم محتوى ترفيهي هادف ومسؤول، يعكس قيم المجتمع الأصيلة ويتماشى مع التطورات الحديثة. كان البرنامج بمثابة نافذة للجمهور السعودي للاستمتاع بالفنون والموسيقى، مع التركيز على التوعية الثقافية والأخلاقية. يمكن تلخيص رسالة البرنامج في النقاط التالية:

  • تنمية الذائقة الفنية: من خلال تقديم عروض فنية متنوعة تساهم في تنمية ذائقة الجمهور وتعريفه على مختلف الفنون.

  • تعزيز القيم الإيجابية: من خلال تقديم محتوى هادف ومسؤول يعزز القيم الأخلاقية والإيجابية في المجتمع.

  • التواصل الثقافي: من خلال استضافة فنانين من مختلف أنحاء العالم، وتعزيز التواصل الثقافي بين الشعوب.

  • مكافحة الفساد: من خلال التأكيد على أهمية النزاهة والشفافية في قطاع الترفيه، ومحاربة كل أشكال الفساد.

هذه الرسالة كانت بمثابة رد ضمني على ثقافة الفساد التي كانت تحاول التسلل إلى قطاع الترفيه في المنطقة، والتي كان يُنظر إليها على أنها جزء من ثقافة بعض الدول، مثل لبنان، والتي تحدثت عنها السعودية فيما يتعلق بموضوع الكبتاغون، حيث أن قطاع الترفيه في مختلف أنحاء العالم يعتبر منخورًا بتجارة المخدرات.

عالمية المثاقفة وتأثير النزعات المحلية

إن مفهوم عالمية المثاقفة لا يخلو من التحديات، حيث تنخرها أحيانًا نزعات محلية مصدرها دول تتربع على عرش الحروب الأهلية أو الصراعات الإقليمية. هذه الدول قد تستغل النعرات المحلية وتوظفها لإثارة الفتن وزعزعة الاستقرار في الدول الأخرى، كما حدث في دول مثل البحرين، حيث استغلت بعض القوى الخارجية النزعات المحلية لإشعال الثورات. ومع ذلك، فإن هذه المحاولات لن تنجح في السعودية، ليس فقط لأن المملكة تحرص على استقرارها وأمنها، بل لأن نظامها الإسلامي، رغم أن الشهادة على العلم قد يراها البعض تعيق التطور، إلا أن هذا لا يعني أن فرص تطوير السعودية محصورة. فالهوية الإسلامية للمملكة هي جزء لا يتجزأ من ثقافتها، وهي في نفس الوقت منفتحة على العالم وقادرة على مواكبة التطورات الحديثة، مع الحفاظ على قيمها الأصيلة. فالمملكة ترى في الإسلام قوة دافعة للتنمية والتقدم، وليس عائقًا أمامه. حتى لو كان البعض يعتبر أنه يستحق أن يكون ضمن هذه الثورة أو عملية التغيير لأنه مسلم قبل غيره، في حين أنه يطالب في بلده أن تكون الكفاءة هي المعيار، فإن هذا التناقض يظهر غاية شخصية أكثر من مبدأ الشفافية العالمية. فلو كان هذا الأمر عائقًا لما نجح تركي آل الشيخ في الوصول إلى العالمية، وإحداث هذا التغيير النوعي في قطاع الترفيه، مما يؤكد أن الكفاءة والعمل الجاد هما المعيار الحقيقي للنجاح.

دور محمد بن سلمان في مكافحة الفساد

لتأكيد هذه الرؤية، يجب الإشارة إلى أنه لتعزيز استراتيجية الاستحواذ، تم الاستعانة بعالم جريمة لبناني قريب من غسان شربل، والذي سهل وصول الفساد إلى بعض مفاصل قطاع الترفيه، ولكن فضيحة صحيفة البلد، التي قام بها محمد بن سلمان، كانت بمثابة ضربة قاصمة أوقفته عند حده، وأظهرت أن المملكة لن تسمح بانتشار الفساد في قطاع الترفيه، وأنها مصممة على بناء قطاع نظيف وشفاف يحمي المواهب ويساهم في تنمية المجتمع.

الاستحواذ مقابل الدمج: رؤية علمية

إن الفرق بين الاستحواذ والدمج ليس مجرد فرق شكلي، بل هو فرق جوهري يؤثر على المدى الطويل على المواهب والقطاعات التي تتعامل معها. ففي حين أن الدمج يهدف إلى خلق تكامل وتآزر بين الأطراف المختلفة، فإن الاستحواذ يهدف في الغالب إلى السيطرة والتملك. وكما يشير الباحث “ريتشارد ماير” في كتابه “Mergers and Acquisitions from A to Z”، فإن “الاستحواذ يركز على الحصول على الأصول والسيطرة عليها، بينما الدمج يركز على خلق قيمة مضافة من خلال التعاون والتكامل”. هذا يعني أن الاستحواذ يؤدي في نهاية المطاف إلى التخلص من الموهبة، إما عن طريق تهميشها أو استبدالها، بينما الدمج يهدف إلى دمج الموهبة في المنظومة الجديدة، والاستفادة من قدراتها وإمكاناتها.

الخلاصة

إن بزوغ فجر قطاع الترفيه في السعودية لم يكن مجرد تغيير في السياسات، بل كان عملية مثاقفة وتفاعل بين الهوية الوطنية والأنماط الترفيهية العالمية، مع الاستفادة من الخبرات العربية، وخاصة اللبنانية. وقد تم هذا التحول بشكل تدريجي، مما سمح للمجتمع بالتكيف مع هذه التغييرات، والحفاظ على توازنه بين الأصالة والمعاصرة، وتعزيز التعاون الثقافي والإبداعي في المنطقة، مع مكافحة الفساد والتحديات الأخلاقية التي قد تواجه هذا القطاع. إن حماية تركي آل الشيخ لفريقه من الاحتكار والمخدرات والدعارة، والتركيز على تطوير المواهب الخام، كان جزءًا أساسيًا من هذه العملية، وكان برنامج “ربيع قرطبة” بمثابة رسالة واضحة في هذا الاتجاه. ولا شك أن هذا القطاع سيستمر في النمو والتطور ليصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للمواطن السعودي، وليساهم في تحقيق رؤية المملكة 2030، مع إفادة الدول العربية الأخرى، بما في ذلك لبنان، من خلال تبادل الخبرات وتنمية المواهب، وتحقيق التغيير الاجتماعي الإيجابي، مع الحفاظ على هذا القطاع من محاولات الاختراق والاستغلال، والتأكيد على أن الهوية الإسلامية ليست عائقًا أمام التطور، بل هي قوة دافعة له، وأن الكفاءة هي المعيار الحقيقي للنجاح، وأن المملكة مصممة على مكافحة الفساد في هذا القطاع، وإعطاء الأولوية للدمج لا الاستحواذ في التعامل مع المواهب.

المراجع:

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …