سوريا تكافح لإعادة الإعمار وسط قيود العقوبات الاقتصادية الخانقة، وبروز دور تركي قيادي في المرحلة الانتقالية

تواجه سوريا تحديًا مضاعفًا في جهود إعادة الإعمار بعد سنوات من الصراع، حيث تتداخل الآثار المدمرة للنزاع مع القيود الخانقة التي تفرضها العقوبات الاقتصادية الدولية. هذه العقوبات، التي تهدف إلى الضغط السياسي، باتت تعيق بشكل كبير أي محاولات جادة لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية المتضررة، مما يضع البلاد أمام مهمة بالغة التعقيد في طريق التعافي. ورغم ذلك، تشهد الفترة الأخيرة بعض التحركات لتخفيف هذه العقوبات، بالإضافة إلى جهود عربية لتعزيز الاستقرار في سوريا، وبروز دور تركي متزايد في قيادة المرحلة الانتقالية. فبحسب سكاي نيوز عربية، أصدرت الولايات المتحدة إعفاءً محدودًا من العقوبات على المعاملات مع المؤسسات الحاكمة في سوريا لمدة ستة أشهر، يسمح ببعض معاملات الطاقة والتحويلات الشخصية حتى 7 يوليو 2025. إلا أن الحظر لا يزال قائماً على الأصول والممتلكات للأشخاص والكيانات المدرجة على لائحة العقوبات.

انهيار اقتصادي وتدمير للبنية التحتية

أفادت تقارير اقتصادية نشرتها وسائل إعلام مثل إرم بيزنس و 963 ميديا أن الاقتصاد السوري شهد انهيارًا كبيرًا، حيث تراجع حجمه إلى مستويات متدنية، مع ارتفاع قياسي في معدلات البطالة وتدهور قيمة العملة المحلية. وأشارت إرم بيزنس إلى أن القطاعات الاقتصادية الأساسية كالزراعة والصناعة والطاقة تعرضت لدمار واسع، مما يعيق أي تعافٍ اقتصادي سريع، ويزيد من تأثير العقوبات.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية، ذكرت 963 ميديا و النهار أن دمارًا شاملًا لحق بالبنية التحتية الحيوية مثل شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمدارس والمستشفيات، بالإضافة إلى تدمير مدن بأكملها كما ذكرت إرم بيزنس. ونقلت سوريا اليوم عن مصادر محلية أن إنتاج الكهرباء انخفض بشكل كبير، مما يزيد من صعوبة إعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية، وهو ما يتفاقم بسبب العقوبات التي تعرقل استيراد المعدات وقطع الغيار.

أعباء مالية وعقبات سياسية

وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة التي نقلتها النهار، تتطلب عملية إعادة الإعمار مئات المليارات من الدولارات، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا هائلًا. وأفادت سكاي نيوز عربية بأن العقوبات الدولية تجعل من الصعب على سوريا الحصول على التمويل اللازم من المؤسسات الدولية والدول المانحة، مما يحد من القدرة على تنفيذ مشاريع الإعمار.

وتواجه سوريا تعقيدات سياسية ودبلوماسية، حيث تتردد بعض الدول في تقديم المساعدات الكبيرة دون تحقيق إصلاحات سياسية كما أوضحت إرم بيزنس. وأضافت أن على سوريا التعامل مع المصالح المتنافسة للقوى الإقليمية والدولية للحصول على الدعم والخبرة. وأشار الشرق الأوسط إلى أن قضية تصنيف بعض الفصائل كإرهابية، مثل هيئة تحرير الشام، تعقد عملية المصالحة وجهود إعادة الإعمار.

بروز الدور التركي في المرحلة الانتقالية

في ظل هذه التحديات، يبرز الدور التركي كقوة فاعلة في مستقبل سوريا. فبحسب سكاي نيوز عربية، تركز تركيا على خطوات انتقالية لضمان استقرار الأوضاع ومنع حدوث فوضى، وتصريحات وزير الخارجية التركي التي نقلتها نفس الوسيلة تؤكد أن “الشعب السوري هو الذي سيحدد مصيره ومستقبله”، مما يشير إلى رغبة تركيا في لعب دور قيادي في المرحلة الانتقالية. وتُشير تقارير لـ المسار للدراسات إلى أن تركيا نجحت في تحييد روسيا وإيران، وهو ما ساهم بشكل كبير في سقوط نظام الأسد، كما تلعب دورًا في التوسط بين الأطراف المختلفة، كما يتضح من الاجتماع الذي عقده وزير الخارجية التركي مع نظيريه الروسي والإيراني في الدوحة. وتتوقع تقارير أخرى أن تركيا ستسعى لتوسيع دورها في شمال سوريا بعد انحسار النفوذ الإيراني، كما ذكرت سكاي نيوز عربية. وتضيف بي بي سي بأن الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب صرح بأن تركيا هي “الطرف الفائز” في سوريا بعد إسقاط نظام الأسد، وأن أنقرة سيكون معها “مفتاح الأحداث” في سوريا الجديدة. ورغم هذا الدور البارز، فإن الوضع في سوريا لا يزال معقدًا، وهناك العديد من الأطراف الإقليمية والدولية التي تسعى للتأثير على مستقبل البلاد.

تحركات إقليمية ودولية

بالإضافة إلى الإعفاءات الأمريكية المحدودة، تشهد المنطقة تحركات عربية تجاه سوريا، حيث استقبلت السعودية أول وفد وزاري سوري بعد الصراع، حسب ما نقلت سي إن إن، وبحث وزير الدفاع السعودي مع الوفد مستجدات الأوضاع في سوريا وسبل دعم العملية السياسية الانتقالية. وتستضيف السعودية اجتماعًا وزاريًا موسعًا بشأن سوريا بمشاركة عربية ودولية، كما ذكرت الحرة. وفي سياق متصل، أكدت الإمارات حرصها على وحدة سوريا وسلامة الدولة الوطنية، ودعت الأطراف السورية إلى تغليب الحكمة، بحسب ما أوردت الحرة، معتبرة أن وجود التشدد والإرهاب لا يزال مصدرًا أساسيًا للقلق، وبحث وزير الخارجية الإماراتي مع نظيره السوري سبل تعزيز العلاقات، وفق ما ذكرت سي إن إن.

تحديات اجتماعية وإنسانية وتأثير العقوبات

تواجه سوريا أيضًا تحديات اجتماعية وإنسانية كبيرة، حيث يتطلب عودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين توفير المأوى والخدمات الأساسية، بحسب ما ذكرت دويتشه فيله. بالإضافة إلى ذلك، يعاني أكثر من نصف السكان من الفقر المدقع، كما نقلت إرم بيزنس، وهو ما يتفاقم بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية الناتج جزئيًا عن العقوبات.

وتؤكد الشرق الأوسط و جسور على أن العقوبات الدولية تعيق بشكل مباشر جهود إعادة بناء الاقتصاد وتوفير الخدمات الأساسية، مما يتطلب رفع العقوبات عن القطاعات الحيوية لتسهيل تدفق الموارد.

تتضافر هذه التحديات لتجعل عملية إعادة إعمار سوريا معقدة وشائكة، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإنسانية، وتتفاقم بسبب تأثير العقوبات الاقتصادية التي تعيق بشكل مباشر جهود الإعمار. وفي ظل هذه الظروف، يبرز الدور التركي كلاعب رئيسي في المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى أهمية التحركات الإقليمية والدولية الهادفة إلى تخفيف العقوبات ودعم جهود الاستقرار في سوريا. ولتجاوز هذه التحديات، لا بد من تبني استراتيجية وطنية شاملة تراعي احتياجات جميع فئات المجتمع، مع العمل على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني وبناء الثقة مع المجتمع الدولي، إضافة إلى مراجعة تأثير العقوبات الدولية على جهود الإغاثة وإعادة الإعمار وإيجاد حلول لتخفيف وطأتها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …