الدين والمواطنة: لاستراتيجية التحرر من سلطة الدين

خطاب القسم ممتاز. ما هي استراتيجية رئيس الجمهورية للتحرر من سلطة الدين؟ إن تطور الدول وازدهارها يعتمد بشكل أساسي على تحقيق العدالة الاجتماعية، المساواة، وتعزيز المواطنة كأساس للهوية الوطنية. ففي لبنان، يواجه المجتمع تحديًا مستمرًا يتمثل في الانتقال من دولة ذات انتماءات طائفية ودينية إلى دولة مدنية يكون فيها القانون هو الحكم الأوحد. وقد أكدت دراسة للبنك الدولي (2021) أن تعزيز الحوكمة الرشيدة والحد من الانقسامات الطائفية يؤدي إلى تحسين الكفاءة المؤسسية وزيادة النمو الاقتصادي المستدام.

لكي يتحقق هذا التحول، فإن وجود بلديات ذات طابع غير طائفي يشكل خطوة هامة، حيث يساهم تفكيك المركزية الطائفية في إتاحة الخدمات للجميع بشكل متساوٍ. ومع ذلك، فإن العقبة الأساسية التي تواجه هذا المسار تكمن في مركزية الطبقة السياسية التي قد تعيق هذا التحول المنشود. وفقًا لتقرير “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” (2020)، فإن اللامركزية تمثل أداة فعالة لتوزيع الموارد بشكل أكثر عدالة، مما يسهم في تقليص التفاوتات الإقليمية وتعزيز التنمية المحلية.

الدين في جوهره يحمل رسالة إصلاحية وأخلاقية، تهدف إلى تعزيز قيم العدالة والمساواة والرحمة. ولكن عندما يتحول الدين من كونه قوة روحية إلى أداة للسيطرة السياسية، فإنه يتسبب في تآكل أسس الدولة المدنية. ففي لبنان، يظهر هذا التداخل بوضوح عندما تُستخدم المؤسسات الدينية لتبرير الفساد أو لتوفير غطاء اجتماعي وسياسي للممارسات غير المشروعة. دراسة لمركز كارنيغي للشرق الأوسط (2019) أكدت أن استخدام الدين لتحقيق مصالح سياسية يؤدي إلى إضعاف المؤسسات العامة وتشويه القيم الدينية. مع ذلك، يجب التفريق بين الدين كجوهر يدعو إلى إصلاح المجتمع ونبذ الفساد، والدين كأداة تُستغل من قبل النخب السياسية لتحقيق مصالحها. فالأديان في حقيقتها تدعو إلى سيادة العدل والقانون، وهذا الدور الإصلاحي يجب أن يُعاد إلى المؤسسات الدينية لتكون قوة داعمة للمواطنة، بدلاً من أن تصبح قوة موازية للدولة.

إن بناء دولة المواطنة يتطلب تقليل النفوذ السياسي للمؤسسات الدينية في الحياة العامة، بحيث يصبح الانتماء الأساسي للدولة، لا للطائفة أو الدين. المواطنة تعني المساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الانتماء الديني أو الطائفي. تقرير منظمة العمل الدولية (2023) يوضح أن العدالة الاجتماعية تتجلى في توفير فرص متساوية للجميع وضمان الحصول على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والسكن. ولتعزيز المواطنة، يجب العمل على إصلاح الأنظمة القانونية لتجريم أي استغلال سياسي للدين، وتكريس الفصل بين الدين والدولة كشرط أساسي لبناء دولة مدنية. دراسة لجامعة هارفارد (2020) أشارت إلى أن هذا الفصل يسهم في تعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

يمكن للدين، إذا استُخدم بشكل صحيح، أن يكون أداة فعالة لإصلاح المفاهيم الخاطئة التي تساهم في دعم الفساد والجريمة. بدلاً من أن تكون المؤسسات الدينية غطاءً للمفسدين، يمكنها أن تلعب دورًا في نشر الوعي الأخلاقي ومحاربة الجريمة المنظمة. تقرير صادر عن “مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة” (2021) يشير إلى أن التعاون بين المؤسسات الدينية والحكومات يمكن أن يسهم في تعزيز القيم الإنسانية وتجريم الممارسات التي تدعم الجريمة. عبر هذا الدور الإصلاحي، يمكن للمؤسسات الدينية أن تعمل على توجيه الأفراد نحو تبني قيم المواطنة والشفافية، مما يساهم في بناء مجتمع قائم على العدالة وسيادة القانون. الدين كقوة روحانية وأخلاقية يجب أن يكون داعمًا لتماسك المجتمع، وليس سببًا لتقسيمه.

عبر اللامركزية، يمكن تقليل الاحتكار المركزي للسلطة، مما يتيح للمناطق المحرومة فرصًا أكبر لتطوير نفسها بناءً على احتياجاتها الخاصة، ويقلل من هيمنة النخب الطائفية التي غالبًا ما تعيق التنمية لصالح مصالحها. هذا ما أكده تقرير “المعهد الديمقراطي الوطني” (2022)، الذي أشار إلى أن اللامركزية تعزز الابتكار المحلي وتقلل من التبعية للسلطات المركزية.

في النهاية، يجب أن يكون الدين أداة لإثراء القيم المجتمعية وتعزيز الأخلاق، لا وسيلة للهيمنة أو غطاء للفساد. تحقيق هذا التوازن يتطلب إرادة سياسية وشعبية تدعم التحول نحو دولة مدنية تُعلي من قيمة المواطنة وتعتمد على الشفافية والمساءلة. لبنان الجديد يمكن أن يُبنى على هذه القيم، ليصبح نموذجًا لدولة حديثة تحترم التعددية وتعزز العدالة الاجتماعية.”

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …