تلعب الصحف ووسائل الإعلام دورًا أساسيًا في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام، ليس فقط عبر نقل الأخبار، بل من خلال صناعة التصورات التي تؤثر في توجهات المجتمعات وسلوكها. ومن أهم التكتيكات المستخدمة في هذا الإطار هو “الاستدراج الأمني المغلف بقوالب لغوية” تتماهى مع توجه سياسي معين، بينما تعمل الجهات المسؤولة عن هذه الوسائل بطريقة مغايرة تمامًا. كما يقول نعوم تشومسكي:
“السيطرة على وسائل الإعلام تعني التحكم في العقول، فالقدرة على تحديد إطار النقاش العام تتيح الفرصة لتوجيه الرأي العام نحو أهداف معينة”.
بالتالي، لا تنحصر خطورة الإعلام في التضليل، بل تتعداها إلى رسم صورة معينة للواقع تبرر قرارات مصيرية، قد تشمل الحرب والصراع المسلح. وهذا ما أكده الصحفي روبرت فيسك عندما قال:
“الحرب لا تبدأ بالرصاص، بل بالكلمات، والتحريض الإعلامي هو الشرارة الأولى لكل صراع دموي”.
من هنا، لا يمكن النظر إلى الحرب كحدث مستقل، بل كنتاج لسلسلة من “الخطوات القاتلة” التي مهدت لها على مدى سنوات عبر الخطاب الإعلامي الموجه. وبالتالي، من الضروري محاسبة العمل غير المهني لوسائل الإعلام ليس فقط في تغطية الأحداث، بل في دوره التراكمي في خلق بيئة قابلة للاشتعال، مما يستدعي إعادة تعريف المهنة والمهنية، وعلاقتها بتراتبية الأولويات.
في هذا السياق، يمكن فهم كيف استغلت إسرائيل هذا الواقع بشكل ممنهج لتجنيد العملاء داخل المجتمعات المستهدفة، عبر استخدام الإعلام كأداة اختراق وتوجيه، مما ساهم في تعزيز احتمالات الصراع والحرب. وكما أشار المفكر إدوارد سعيد:
“لا يمكن فصل الإعلام عن السلطة، فغالبًا ما يتحول إلى أداة في يد القوى المسيطرة لإعادة إنتاج الواقع بما يخدم مصالحها”.
يتضح إذن أن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أداة قادرة على إعادة تشكيل الحقائق وتوجيه المجتمعات نحو أهداف محددة، سواءً عن وعي أو من خلال استغلال الانقسامات الداخلية، وهو ما يجعل من إعادة النظر في الدور الأخلاقي لوسائل الإعلام ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار نظري.
توظيف التشكيل اللغوي في صناعة الخطاب الدعائي
تدرك إسرائيل أهمية التحكم في الخطاب العام داخل الدول المجاورة لها، خاصة في لبنان وفلسطين، حيث استخدمت آليات لغوية متعددة لاستقطاب الأفراد والتأثير على وعيهم. ومن أبرز هذه الآليات:
-
التلاعب بالمعاني اللغوية: عبر نشر مصطلحات مشحونة عاطفيًا مثل “السلام” و”التطبيع” و”التعاون الاقتصادي”، لتخفيف وقع الاحتلال والترويج لبرامج الاختراق الثقافي والاقتصادي. في ظل غياب استراتيجيات عربية ولبنانية لدحر التجسس الاقتصادي.
-
توظيف الإعلام كأداة لغوية: خلق خطاب إعلامي يُظهر العملاء كأشخاص مضطهدين، مستغلين في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي.
-
اللغة كأداة لاختراق النسيج الاجتماعي
من خلال تشكيل المصطلحات وإعادة إنتاجها، تمكنت إسرائيل من استغلال الانقسامات الداخلية داخل المجتمعات المستهدفة لخلق بيئة مواتية للتجنيد.
-
استغلال الأزمات الطائفية والسياسية: يتم تعزيز الانقسامات عبر الترويج لمفاهيم مثل “الأقلية المظلومة”، مما يدفع بعض الفئات إلى البحث عن دعم خارجي، كايران في ظل هشاشة الدول او عدم قدرة بعض الدول في إدارة التنوع. فتتساوى بذلك ايران وإسرائيل وتتمكن إسرائيل من تنفيذ الاختراق الاقتصادي وسرقة المليارات.
-
تسويق العملاء كأبطال مصلحين، ثم الخرق بالوسيلة الإعلامية والتبجيل، الاستدراج الأمني، واستعمال الخروقات للضغط، والتواصل مع الخصوم “الظاهريين”: تصوير المتعاونين مع إسرائيل ، المحكومين، الذين كانوا في السجون، على أنهم أشخاص يعملون لصالح التغيير والتقدم، بهدف تقويض النظرة السلبية تجاههم داخل مجتمعاتهم، وتعزيز شبكاتهم مع من لديه ما يخفيه من مصالح تستفيد منها إسرائيل بالخروقات الاقتصادية والتجسس الاقتصادي كالمخدرات والاتجار بالبشر، والذي هو من اكبر الاعمال الإسرائيلية.
-
التجنيد كوسيلة لتعزيز احتمالات الحرب
يؤدي تجنيد العملاء إلى زيادة احتمالات الحرب من خلال عدة آليات:
-
جمع المعلومات الأمنية والاستخباراتية: يستخدم العملاء لنقل معلومات عن تحركات المقاومة والبنية التحتية العسكرية.
-
تنفيذ الاغتيالات والعمليات التخريبية: يُستخدم العملاء في عمليات أمنية تستهدف شخصيات وقادة من المقاومة، ما يؤدي إلى تصعيد العنف.
-
إثارة الفتن الداخلية: عبر دعم شخصيات سياسية وإعلامية موالية لإسرائيل، يتم تضخيم الصراعات الداخلية، مما يخلق بيئة غير مستقرة تزيد من احتمالات المواجهة العسكرية.
-
الاستراتيجية الإسرائيلية في استغلال الإعلام والتشكيل اللغوي
تشير العديد من الدراسات إلى أن إسرائيل تعتمد على استراتيجيات إعلامية ولغوية متطورة للتأثير على الرأي العام داخل الدول العربية، ومنها:
-
تجنيد وسائل إعلام محلية لنشر مصطلحات دعائية: مثل منع الحديث عن المخدرات والاتجار بالبشر، لان زعمائها اصدقائهم في الأهداف لو لم يكن من تواصل مباشر الا عبر عميل!
كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة؟
مواجهة هذه الاستراتيجية الإسرائيلية تتطلب وعيًا لغويًا وإعلاميًا عاليًا، ومن أبرز الخطوات التي يمكن اتخاذها:
-
تعزيز الوعي الإعلامي: تثقيف الجمهور حول أساليب الدعاية الإسرائيلية وآليات التلاعب .
-
إعادة تعريف المصطلحات وفق رؤية وطنية: رفض المفاهيم المشوهة التي يتم الترويج لها عبر الإعلام الموجَّه.
-
تفعيل الدور الرقابي على الجريمة المنظمة ووضع زعماء هذه المهن على اللوائح السوداء الصحافية وتكثيف الحملات عليهم ومنعهم من الوصول الى أي مركز او قدرته على التشبيك مع وزارة الداخلية والدفاع لضمان عدم خرق العمل الأمني، حتى لو بتنظيف سمعة احد التجار للاستدراج الأمني.
-
تعزيز التعليم الإعلامي في المناهج الدراسية: تعريف الأجيال الجديدة بأساليب الدعاية وتأثيراتها على وعي المجتمعات.