التعليم والتميّز في لبنان: بين القمع والإبداع – نحو ثقافة تربوية عادلة تدعم المواهب

أهمية تغيير الثقافة التربوية في لبنان كي لا تلغي التميّز

في مجتمعات تُقمع فيها المواهب، يصبح التميز عبئًا بدلاً من أن يكون نعمة. إحدى أخطر الوسائل التي تُستخدم لقمع الأفراد المتميزين هي التكرار المستمر لأفكار محبطة مثل “نحن جميعًا سواسية” بطريقة تهدف إلى إنكار الفروق الفردية التي خلقها الله في كل إنسان. فإذا كان لكل فرد ميزة خاصة، فكيف يمكن أن يكون الجميع متطابقين؟ هذه الفكرة، التي يُروَّج لها تحت غطاء العدالة الاجتماعية، ليست سوى وسيلة للقضاء على التميز وإجبار الأفراد على التكيف مع معايير متوسطة لا تسمح بالاختلاف أو التفوق.

ومن أشد أشكال هذا القمع النفسي خطورة، دفع الأفراد الذين يتم تحطيمهم فكريًا وعاطفيًا إلى حالة من اليأس قد تصل إلى تكرار أفكار مثل الانتحار، حيث يشعر الشخص بأنه غير مرغوب فيه لمجرد أنه مختلف أو متميز. حينما يُحاصر المبدع بين التهميش والتقليل من شأنه، فإن الشعور بعدم جدوى الاستمرار يصبح نتيجة طبيعية لهذه البيئة السامة.

كيف يُلغى التميّز؟ المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية

ما يحدث في كثير من الأحيان في البيئة التعليمية والمهنية اللبنانية يمكن تحليله عبر عدة مفاهيم اقتصادية واجتماعية توضّح كيف يتم استهداف الأفراد المتميزين وإقصاؤهم بدلًا من دعمهم:

1️⃣ رأس المال الاجتماعي السلبي (Negative Social Capital)

بدلًا من أن تكون العلاقات الاجتماعية شبكة دعم وتمكين، يتم استغلالها أحيانًا بشكل سلبي لتحطيم الأفراد المتميزين وإقصائهم عمدًا. حين يُنظر إلى النجاح الشخصي على أنه تهديد، تبدأ محاولات العزل والإلغاء، مما يؤدي إلى بيئة غير صحية تمنع التطور الطبيعي للأفراد الأكفاء.

2️⃣ التدمير الممنهج (Systematic Destruction)

عندما يكون هناك إصرار على إضعاف شخص متميز وتحطيمه نفسيًا ومهنيًا، يتحول الأمر إلى شكل من أشكال الحرب النفسية. هذا يُستخدم في البيئات التنافسية غير الصحية، حيث يُعتبر بروز شخص ما تهديدًا لبقية الأفراد، مما يدفع بعضهم لمحاولة إيقافه بطرق غير عادلة.

3️⃣ إفقار المواهب (Talent Drain or Brain Drain in Micro-scale)

إذا لم يتمكن الأشخاص المتميزون من التطور داخل وطنهم بسبب القيود الاجتماعية أو المهنية، فإن ذلك يدفعهم إما إلى الهجرة أو إلى التراجع عن طموحاتهم. هذه الظاهرة تُعرف بإفقار المواهب، حيث يتم إجبار العقول المتميزة على الانسحاب من المشهد بدلًا من تمكينها، مما يؤدي إلى خسارة فادحة للمجتمع ككل.

4️⃣ إعاقة التقدم المهني (Career Sabotage)

يحدث هذا عندما يتم وضع العراقيل أمام الأشخاص الموهوبين عمدًا لمنعهم من تحقيق النجاح المهني. يتم ذلك عبر تشويه السمعة، تجاهل الإنجازات، أو حرمان الأفراد من الفرص التي يستحقونها. في بيئة تعليمية أو مهنية غير عادلة، يصبح التقدم مبنيًا على العلاقات بدلاً من الكفاءة.

5️⃣ القمع الاقتصادي والاجتماعي (Economic and Social Suppression)

عندما تُفرض قيود اقتصادية أو اجتماعية على الأفراد المتميزين لمنعهم من الوصول إلى مواقع القوة أو التأثير، يصبح المجتمع محكومًا بسياسات الإقصاء بدلاً من سياسات التمكين. هذا يؤدي إلى بيئة تُحبط الابتكار والإبداع، مما يضعف النمو المجتمعي العام.

6️⃣ التدمير الرمزي (Symbolic Violence – Pierre Bourdieu’s Concept)

يصف عالم الاجتماع بيير بورديو العنف الرمزي بأنه طريقة غير مباشرة للحد من إمكانيات الأفراد من خلال العزل والتهميش والتقليل من شأنهم، دون الحاجة إلى استخدام القوة المباشرة. عندما يتم تعليم الطلاب أن التميز قد يكون مصدر تهديد بدلًا من كونه قيمة إيجابية، فإنهم يُجبرون على التكيف مع منظومة تقمع إمكانياتهم بدلاً من تنميتها.

الإغراق بظروف الإتجار بالبشر كوسيلة لإجبار المتميزين على التراجع

في بعض البيئات، يتم استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية كوسيلة لإجبار الأفراد المتميزين على التراجع، وذلك عبر:

🔹 إغراقهم بمهام تثقل كاهلهم دون مقابل عادل، بحيث لا يجدون وقتًا لتطوير أنفسهم. مثل الموظف المتميز الذي يتم تحميله بأعباء إضافية دون ترقية أو مكافأة، مما يدفعه إلى فقدان الشغف والاستسلام.

🔹 حرمانهم من فرص النمو، عبر تقديم الدعم لمن هم أقل كفاءة فقط، مما يؤدي إلى إحباط الموهوبين وإجبارهم على الانسحاب.

🔹 استغلالهم تحت غطاء التضحية من أجل المجتمع، حيث يُطلب من الأشخاص الموهوبين تقديم أقصى جهدهم لخدمة الآخرين دون أن يُسمح لهم بتحقيق ذاتهم.

هذا النوع من الاستغلال الفكري والعاطفي يدخل في إطار الإتجار بالبشر، حيث يتم استخدام الإنسان كأداة لخدمة المجتمع دون أن يُسمح له بالنمو الشخصي، وكأن سعادته يجب أن تكون على حساب سعادة الآخرين.

تطوير المناهج التربوية لدعم التميز

حتى لا تتحول المؤسسات التعليمية إلى أماكن تُلغى فيها الفروقات الإبداعية، يجب أن يتم تطوير المناهج بحيث يتمكن كل فرد من تحقيق ذاته وفقًا لتميزه الشخصي. ومن أهم الاستراتيجيات لتحقيق ذلك:

1️⃣ الانتقال من التعليم الموحد إلى التعليم المتمايز
يجب أن تعكس المناهج الفروقات الفردية بين الطلاب، بحيث يتم توفير فرص لتنمية كل موهبة وفقًا لطبيعتها، سواء كانت في العلوم، الفنون، الرياضيات، أو المهارات المهنية.

2️⃣ تعزيز فلسفة “التكامل في التميز” بدلًا من “النجاح على حساب الآخر”
يجب أن يكون هناك وعي بأن نجاح فرد لا يعني بالضرورة فشل الآخرين. سعادة الإنسان ليست على حساب سعادة الآخر، بل يمكن للجميع أن ينجحوا بطرق مختلفة تكمل بعضها البعض.

3️⃣ خلق بيئة تشجع الابتكار والتجربة الشخصية
يجب أن تتضمن المناهج التعليمية مساحات تجريبية تتيح للطلاب استكشاف قدراتهم الفريدة دون أن يُجبروا على السير في مسار تعليمي واحد يناسب الجميع.

إذا لم تتغير الثقافة التربوية في لبنان، فإنها ستستمر في إلغاء التميّز بدلاً من رعايته. لا يمكن لمجتمع أن يتطور إذا كانت بيئته التعليمية تفرض قيودًا على المبدعين بدلًا من تشجيعهم. الحل يبدأ من تغيير العقلية الجماعية نحو دعم الأفراد المتميزين، ليس فقط لأنهم يستحقون ذلك، ولكن لأن مستقبل المجتمع يعتمد عليهم. عندما يتم دعم كل فرد وفقًا لما يميزه، يصبح المجتمع أكثر توازنًا وعدالة، حيث يُبنى النجاح على التكامل وليس على الإقصاء.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من “دار الصياد” إلى “Fingerprints”: رحلةُ تحويل الأفكار إلى تجارب حيّة.

يمثّل سليم صوايا نموذجاً لرجل إعلام وأعمال يجمع بين الإبداع الإعلاني، وتنظيم الفعاليات، والإنتاج التلفزيوني، …