الشاهد عندما يكون “أنا”: موت منفرد وحقيقة لا تموت

إخراج الشاهد من دائرة الضوء: بقاء الشهادة رغم الإقصاء والتلاعب بالمصير

إن محاولة إخراج الشاهد من دائرة الضوء لا تعني أبداً تغييب شهادته أو محو أثرها، فالشهادة على الجرائم التاريخية والسياسية والاجتماعية تبقى قائمة ما دام التاريخ محفوظاً، وما دامت الضمائر الحية تتناقلها. إن الشاهد، سواء أُخرج من الدولة أو حُرم من حقه في التعبير، يبقى مرتبطاً بها بواقعها وأحداثها، إذ لا يمكن لعوامل الإقصاء أو التضييق أن تمحو صوته من صفحات الزمن.

في هذا السياق، يشير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن السلطة تسعى دائماً إلى إنتاج “أنظمة الحقيقة” التي تخدم مصالحها، وتحاول إقصاء الأصوات التي تكشف زيف هذه الحقائق (Foucault, 1977). إلا أن الحقيقة لا تُمحى بمجرد إبعاد قائلها عن المشهد، بل قد تزداد قوة كلما حاولت السلطة قمعها، إذ يبرز الشاهد حينها كشخصية محورية في مواجهة التزوير والتلاعب بالحقائق.

التلاعب بمصير الشهود: سلاح لا يغيّب الحقيقة

إن التلاعب بمصير الشاهد، سواء عبر التضييق عليه اقتصادياً أو سياسياً أو حتى تهديد أمنه الشخصي، لن ينفي عنه صفة كونه شاهداً على جرائم العصر. بل إن مثل هذه الأساليب تؤكد بشكل غير مباشر صحة شهادته، حيث تلجأ الأنظمة الاستبدادية إلى هذه الأدوات عندما تعجز عن دحض الوقائع بالحجج والأدلة.

من منظور قانوني، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يمنح حماية خاصة للشهود، حيث تؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لحماية الشهود أن استهداف الشاهد أو ممارسة ضغوط عليه يعتبر انتهاكاً للقانون (UNODC, 2008). كما أن القوانين الجنائية الدولية، مثل تلك المعتمدة في المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، تؤكد أن الشهادة تظل قائمة حتى لو تم نفي الشاهد أو تغييب صوته، وهو ما نراه في قضايا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي يعتمد التحقيق فيها على شهادات الناجين حتى بعد سنوات من وقوع الجريمة.

Etat dangereux: صناعة الدولة الخطرة

يعد مفهوم “Etat dangereux” (الدولة الخطرة) من المصطلحات المستخدمة في العلوم السياسية وعلم الجريمة للإشارة إلى الدول التي تعتمد العنف الممنهج، التلاعب القانوني، والتجريم السياسي كأدوات أساسية للحكم. هذه الدول لا ترى في الشهود مجرد ناقلين للحقيقة، بل تعتبرهم تهديداً مباشراً لقدرتها على التحكم بالسردية الرسمية، ولذلك تعمل على إخراجهم من منظومتها القانونية والسياسية، مما يجعلهم في موقع ضعف شديد، حيث يصبحون عرضة للاستهداف دون حماية.

يشرح جورجيو أغامبين في نظريته عن “الحياة العارية” (Homo sacer) كيف تقوم الأنظمة القمعية بتحويل بعض الأفراد إلى “ضحية مستمرة”، بحيث لا يتمتعون بأي حقوق قانونية داخل الدولة، مما يجعلهم أهدافاً مشروعة للعنف والقمع دون مساءلة (Agamben, 1998). وعليه، فإن من يتم تصنيفهم كخارجين عن Etat dangereux لا يصبحون فقط مجرد معارضين أو شهود، بل يتحولون إلى كائنات سياسية مستباحة، لا تخضع لأي حماية فعلية من قبل المؤسسات الدولية أو حتى قوانين حقوق الإنسان.(صليب الاحمر يو ! يو!)

لكننا ضحايا أحياء: كيف نكشف آلية الدولة الخطرة؟

صحيح أن من يتم إخراجهم من منظومة الدولة والتلاعب بمفهوم Etat dangereux يصبحون معرضين لخطر الشهادة، لكن هذا لا يعني بالضرورة موت شهاداتهم. بالعكس، إن الضحايا الأحياء (مصطلح للتعويض وليس للاستسلام) هم الذين يمتلكون القدرة على كشف كيفية بناء الدول الخطرة، وكيفية استخدامها للقانون والمؤسسات الأمنية لقمع الأصوات المعارضة.

إن النجاة من محاولات الإقصاء أو التصفية لا تعني التراجع، بل تعني الاستمرار في كشف الأساليب التي تُصنع بها “الدولة الخطرة”، حيث يمكننا من خلال التجربة المباشرة أن نفضح آليات الاستبداد والتلاعب السياسي. فالبقاء حياً، رغم كل محاولات القمع، لا يعني مجرد النجاة الشخصية، بل يعني امتلاك الأدلة الحية على أن الدولة الخطرة ليست مجرد نظرية، بل حقيقة يجري تصنيعها يومياً بأدوات القمع والإرهاب السياسي.

الجريمة التي تستخبي بالدين: الدين كأداة للسيطرة

من أخطر أنواع الجرائم تلك التي “تستخبي بالدين”، أي التي تُمارَس تحت غطاء ديني لاستغلال المشاعر الدينية للناس وتبرير العنف أو الفساد أو الظلم. هذه الظاهرة ليست جديدة، بل استخدمت عبر التاريخ من قبل جماعات متطرفة وأنظمة استبدادية حاولت تحويل الدين إلى أداة للسيطرة السياسية والاجتماعية.

يشير الباحث مارك جويرتز في دراسته حول الدين والعنف السياسي إلى أن استخدام الدين كوسيلة لتبرير الجرائم يجعلها أكثر قبولاً لدى الجماهير، حيث يتم تقديم الأفعال غير الأخلاقية على أنها “واجب ديني” أو “حماية للعقيدة” (Juergensmeyer, 2003). ويضيف أن بعض الأنظمة والجماعات المسلحة استخدمت هذا التكتيك لشرعنة عمليات القتل والاضطهاد تحت ستار “الحرب المقدسة”.

الخاتمة: الشاهد يظل شاهداً مهما كانت الظروف

إن محاولة إخراج الشاهد من دائرة الضوء، والتلاعب بمصيره، وإخضاعه لهموم إنسانية، لن تغيّب شهادته عن التاريخ. بل إن كل محاولة لإسكاته تزيد من قوة شهادته، وتجعلها أكثر تأثيراً. سواء كان الشاهد ضحية لجرائم كبرى، أو خبيراً أمنياً، أو باحثاً في القانون، فإن استهدافه لا يعني إسقاط صوته، بل قد يجعله أكثر إلحاحاً ووضوحاً. فالشهادة، في نهاية المطاف، ليست مجرد كلمات تُقال، بل حقيقة تفرض نفسها، حتى لو كانت الثمن حياة كاملة. وكما قال بيار الجميل: “ونعشق التهديد، ونعشق الشهادة.”

للبقر… شعور! والديمقراطية الاقتصادية لا يعني قتل “انا” وتوزيع الغانم والا تصبح دولة خطرة موزعة المغانم بتبييض الاموال !

المراجع

  • Agamben, G. (1998). Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. Stanford University Press.

  • Arendt, H. (1951). The Origins of Totalitarianism. Harcourt, Brace & Co.

  • Foucault, M. (1977). Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Pantheon Books.

  • Greenwald, G. (2014). No Place to Hide: Edward Snowden, the NSA, and the U.S. Surveillance State. Metropolitan Books.

  • Juergensmeyer, M. (2003). Terror in the Mind of God: The Global Rise of Religious Violence. University of California Press.

  • Kant, I. (1793). Religion Within the Boundaries of Mere Reason. Cambridge University Press.

  • Levi, P. (1986). If This Is a Man. Abacus.

  • Sutherland, E. (1949). White Collar Crime. Holt, Rinehart & Winston.

  • UNODC. (2008). Good Practices for the Protection of Witnesses in Criminal Proceedings Involving Organized Crime. United Nations Office on Drugs and Crime.

  • Van der Kolk, B. (2014). The Body Keeps the Score: Brain, Mind, and Body in the Healing of Trauma. Viking.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …