وعندما ابتسمتُ، كان أنفه الكبير موطن دفئي

تخيل أنك حبيس ظلام دامس، لا ترى ولا تشعر سوى بانعكاسات سلبية عن ذاتك.
انتقادات ذاتية لا ترحم، تضعك في موضع الشك الدائم حول جدارتك بالحب أو السعادة، وتجعلك تشعر بأنك عبء ثقيل على من حولك. في هذا العالم القاتم، يسطع فجأة نور مبهر، شخص يرى فيك جمالًا وقيمة حقيقيين، جمالًا وقيمة تعجز أنت عن إدراكهما. شخص قادر على أن يحبك بكل تفاصيلك، حتى تلك الجوانب التي تعتبرها أنت الأسوأ فيك. عندما يغمرك هذا الحب وأنت غارق في كراهية الذات، تبدأ موجات الكره بالعودة، ولكن هذه المرة تأخذ شكلًا مختلفًا، شكلًا قد يصفه البعض بالحسد. لكن جذور هذا الشعور أعمق بكثير، إنها بقايا كره دفين للذات يتفجر أمام مشهد استقلالك عن “القرف” الذي تسبب لك بتلك المأساة التي اعتقدت أنك لن تنجو منها.

هنا تبدأ دوامة جديدة.
كلما حاولت النهوض، تعود تلك الكلمات القاسية، الكلمات التي تخدش أعمق جزء فيك، الطفل الداخلي الجريح. ذاك الطفل الذي كان يتوق للعب بالكرة ببراءة، والآن، حتى عندما يمد يده للعب مع طفل آخر، ينتهي به الأمر بالبكاء. ينظر إليه الطفل الآخر في دهشة، غير قادر على استيعاب هذا المشهد المؤلم: شخص ناضج يبكي بسبب لعبة! “مرحبًا، أنا الطفل الذي بداخلك، تذكرني؟” يهمس صوت الطفولة الجريحة، ليذكرك بأنك لست مجرد شخص راشد، بل تحمل في داخلك هذا الطفل الذي لم يُشفَ بعد.

لكن الدوامة لا تنتهي هنا.
في كل مرة تحاول فيها الاقتراب من النور، يظهر ذلك الصوت الحاقد، المتربص بأي بارقة أمل داخلك، يسكب عليها سموماً من التشكيك والرفض. “أنت لا تستحق”، “هذا الحب ليس لك”، “أنت مجرد عبء آخر يضيفه العالم على كتفيه”… تلك الهمسات المسمومة لا تأتي من العدم، إنها نابعة من قلب امتلأ بالحسد، قلب لم يحتمل أن يراك تُشفى، أن يراك تنجو، أن يراك تحظى بما كان هو عاجزًا عن الحصول عليه.

يحطمك بألدّ الكلمات.
يهاجمك في أكثر نقاطك هشاشة. يذكّرك بكل إخفاق، بكل لحظة كنت فيها ضعيفًا، بكل فرصة لم تستغلها. يسلب منك ثقتك، يجردك من قوتك. يجعلك ترى نفسك كفشلٍ متحرك، كشيء زائد في هذا العالم. يشكك في كل شيء فيك، في علمك، في شغفك، في نجاحك. يشكك حتى في وعيك، في إدراكك للحياة، في حقيقتك ذاتها. وكلما قاومت، كلما حاولت إثبات أنك تستحق، كلما ضرب بقوة أكبر.

كل مخاوفك تستيقظ.
ذلك الخوف القديم من أن تُهجر، أن تُرفض، أن تبقى وحيدًا. تلك الذكريات التي ظننت أنها ماتت، تعود للحياة في رأسك كوحوش ضارية، تنهش بقايا طمأنينتك. يقهرك بالفشل الذي تسبب به لك، يتلذذ برؤيتك تغرق أعمق وأعمق. لا يمنحك فرصة للراحة، لا يسمح لك بالتقاط أنفاسك. يهمس بصوت تقطر منه الكراهية:
“مت… مت… مت.”

وأنت تقاوم.
تمسك بأطراف الهاوية، تحاول الصعود ولو بشقّ الأنفس، لكنه لا يهدأ. يواصل دفعك نحو الأسفل، نحو العدم. يستلذ برؤيتك تنهار، يتغذى على ألمك، كأن سقوطك هو طوق نجاته الوحيد. يحاول أن يجعلك تصدق أن النهاية حتمية، أنك لن تخرج من هذه الدوامة أبدًا، أن المقاومة عبث، أن لا شيء ينتظرك سوى السقوط الأبدي.

لكن في اللحظة الأخيرة، في تلك اللحظة حيث يبدو كل شيء منتهيًا، حيث يتسلل اليأس إلى خلاياك، هناك شيء ينبض داخلك. صغير، ضعيف، لكنه موجود. إنه صوتك. ليس صوته، ليس صوتهم، بل صوتك أنت. الصوت الذي نسيته منذ زمن بعيد، لكنه لم يمت. صوت يهمس بخفوت: “أنا أستحق الحياة.”

وهنا، ولأول مرة، يتوقف الظلام للحظة.

وفجأة، تتذكره.
ذاك الرجل ذو الأنف الكبير، الذي يضحك بعطفه. ليس ضحكة ساخرة، وليس ضحكة مستهزئة، بل ضحكة كأنها ترميم لكل جرح عالق في روحك. ضحكته تشبه دفء الشمس في صباح بارد، خفيفة لكنها تمتد إلى أعمق مكان فيك، كأنها تحاول إيقاظ شيء كنت تظنه ميتًا. رجل لم يكن يومًا جزءًا من الدوامة، لم يكن سكينًا آخر ينغرس في ضعفك، بل كان يرى فيك شيئًا لم يره أحد.

إنه هناك، في ذاكرتك، ليس كظلٍّ للحزن، بل كذكرى نقية، غير ملوثة بوحل الألم. رجل لم يكن يحاول إنقاذك، لكنه كان موجودًا، وجودًا نقيًا وصادقًا، وجودًا صامتًا يقول لك: “أنت بخير، مهما ظننت أنك لست كذلك.”

يبتسم لك، وكأن ابتسامته تقول كل ما عجزت عن قوله لنفسك. وكأنها تعيد ترتيب فوضى أفكارك، تحررك للحظة من السلاسل التي كبلتك طويلاً.

وبينما تتذكره، تبدأ بشيء بسيط، شيء صغير لا يكاد يُلاحظ.
تبتسم.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …