صراع التأويل: كيف يرى أقصى المتدينين أفكار الحرية وحقوق الإنسان

يُمثل الصدام بين بعض التيارات الدينية المتشددة والأفكار الحديثة الداعية للحرية الفردية وحقوق الإنسان ظاهرة معقدة تستدعي التحليل، خصوصًا ان عمق الحملة على موقع درج، والمجموعة الضاغطة الاعلامية والجمعيات التي تعمل على مفاهيم حقوق انسان عالمية، والزميلة ديانا مقلد وحازم صاغية، اللذان في الاصل هما استقصائيان، ولحازم حوارات مع مديرة التحرير ضمن اطار مؤتمرات لأريج، في عمان، حول كيفية التحقيق في قضايا حقوق الانسان وكشف شبكات التي تغطي الاتجار بالبشر، وكيف يعتمدون هؤلاء اغطية دينية، لحماية ذوي النفوذ الذين هم ينشرون الدين لقمع التمرد ومنع اختراق المجتمعات “المضيفة” التي تتاجر بابدان الضعفاء وكراماتهم، بينما هم يسرحون ويمرحون في اجواء من الحرية، لحد الاتخام ومواقع سلطة. 

يميل أقصى المتدينين، من منطلقات مختلفة، حتى الى دعم تجار الدعارة والمخدرات ، (لدى مديرة التحرير ملف ضخم عن ذلك ) إلى تصنيف الأفكار الليبرالية، واليسارية، وكل ما يشدد على استقلالية الفرد وحقه في الاختيار، بأنها “مرذولة اجتماعياً” أو “مرفوضة دينياً”، لانها بالواقع تكشف عيبهم امام المجتمع الدولي ان كانوا ينتمون الى شبكات الفساد. هذا الرفض لا يستثني حتى مفهوم حقوق الإنسان بصيغته العالمية، والذي يُنظر إليه أحيانًا بعين الريبة باعتباره منتجًا “غربيًا ” علمانيًا يتحدى البنى التقليدية، بما فيها النظام الأبوي (البطريركي) الذي هيمن على تفسير التاريخ والعلاقات الإنسانية منذ فجر البشرية وفق بعض التأويلات. ينطلق منطق الرفض لدى هذه التيارات غالبًا من إيمان راسخ بامتلاكهم للحقيقة المطلقة، المستمدة من تفسير حرفي أو تقليدي للنصوص الدينية. أي فكرة تتعارض مع هذا التفسير تُعتبر ضلالًا وانحرافًا عن “الصراط المستقيم”. الأفكار الليبرالية التي تضع الفرد وحريته في المركز، أو اليسارية التي تنتقد التراتبيات الاجتماعية القائمة، تُرى كتهديد مباشر لهذا النظام العقائدي. يُضاف إلى ذلك، الخوف من الفوضى الأخلاقية والاجتماعية؛ حيث يُنظر إلى الحرية الفردية المطلقة، خاصة في مسائل العقيدة والسلوك الشخصي والجنسي، على أنها بوابة للفوضى وانهيار الأخلاق والقيم التقليدية التي يعتبرونها صمام أمان للمجتمع. تُصوّر هذه الحريات على أنها دعوة للانحلال والتفسخ، وتفكيك الأسرة، وتحدي سلطة الدين والمؤسسات التقليدية. كما يُقابل بالرفض الشديد كل الأفكار التي تشجع على التفكير النقدي، والنسبية الأخلاقية، وحرية التعبير حتى لو انتقدت المقدسات، إذ يُعتبر التمسك باليقين الدوغمائي فضيلة، بينما يُنظر إلى الشك والتساؤل كخطر يهدد الإيمان. وغالبًا ما يتم اللجوء إلى شيطنة الآخر وتصوير هذه الأفكار على أنها جزء من “مؤامرة” خارجية تستهدف هوية الأمة أو الدين. وأخيرًا، يُعتبر الدفاع عن النظام الأبوي نقطة محورية؛ فتحدي هذا النظام والفكر الذكوري، الذي يظهر جليًا في بعض التفسيرات الدينية التقليدية، يُعد تعديًا على “النظام الطبيعي” أو “الإلهي”. لذا يُرفض مفهوم المساواة الكاملة بين الجنسين، وحقوق المرأة في التحكم بجسدها واختياراتها، وحقوق الأقليات الجنسية، باعتبارها مخالفة صريحة للنصوص أو التقاليد الراسخة، ويتم قراءة حقوق الإنسان نفسها من خلال هذه العدسة الذكورية التقليدية.

في مقابل هذا الرفض، يمكن تقديم حجج مضادة تستند إلى العقل والعلم وحتى إلى تأويلات دينية مختلفة. من منظور علم النفس والاجتماع، يؤكد العلم الحديث على أهمية الاستقلالية وتحقيق الذات للصحة النفسية للفرد. قمع الخيارات الفردية والرغبات المشروعة يؤدي إلى الكبت والإحباط وظهور اضطرابات نفسية وسلوكية. وكما يشير عالم النفس كارل روجرز، فإن الكائن البشري لديه ميل فطري لتحقيق ذاته وإمكانياته، وهذا يتطلب بيئة من الحرية والقبول. اجتماعيًا، التنوع الفكري والثقافي يُعتبر مصدر قوة وإثراء للمجتمعات، بينما يؤدي القمع الفكري إلى الجمود والتخلف. فلسفيًا، قامت فلسفة التنوير على مبادئ العقلانية والحرية الفردية وحقوق الإنسان الطبيعية. أكد فلاسفة مثل جون لوك وجون ستيوارت ميل على أن حرية الفرد، بما في ذلك حرية الفكر والتعبير والاعتقاد، هي أساس المجتمع العادل والمزدهر. مبدأ “عدم الإيذاء” الذي طرحه ميل يشير إلى أن حرية الفرد يجب ألا تُقيّد إلا لمنع الأذى عن الآخرين، وليس لمجرد أن أفكاره أو خياراته لا تروق للأغلبية أو للسلطة الدينية/السياسية. وحتى ضمن الإطار الديني، يمكن القول بأن النصوص نفسها تحتمل قراءات متعددة. العديد من التقاليد الدينية تحتوي على مفاهيم جوهرية تدعم الكرامة الإنسانية والعدل والرحمة. مفهوم الاختيار والمسؤولية أساسي في العديد من الأديان، فالمسؤولية أمام الله تفترض وجود حرية الاختيار، كما تشير آية “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (البقرة: 256) في القرآن إلى حرية المعتقد. وفي الفقه الإسلامي، مفهوم “مقاصد الشريعة” (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) يمكن قراءته بطريقة تضع كرامة الإنسان وحفظ حقوقه الأساسية في صلب التشريع. كما يجادل مفكرون دينيون إصلاحيون بضرورة التمييز بين المبادئ الدينية الأساسية الثابتة وبين الأعراف الاجتماعية والتفسيرات التاريخية التي تأثرت بظروفها، بما في ذلك الهيمنة الذكورية، مما يفتح الباب لإعادة قراءة النصوص بروح العصر مع الحفاظ على جوهر الرسالة الأخلاقية.

إن التشديد على حرية الفرد في اختيار معتقداته، والتعبير عن أفكاره، وتحديد مسار حياته (طالما لا يعتدي على حريات وحقوق الآخرين) ليس ترفًا فكريًا أو مؤامرة غربية، بل هو شرط أساسي للكرامة الإنسانية والتقدم. رفض هذه الحرية باسم تفسير ديني متشدد هو في جوهره مصادرة لحق إنساني أصيل، وغالبًا ما يتجاهل التنوع الهائل داخل التراث الديني نفسه، ويُغفل عن القيم الإنسانية المشتركة التي تؤكد على العدل والرحمة والكرامة. إن الحوار المبني على العقل والاحترام المتبادل، والذي يعترف بتعددية التفسيرات وحق الاختلاف، هو السبيل لتجاوز حالة الاستقطاب. يجب التأكيد على أن حقوق الإنسان، بما فيها حرية الفرد، لا تتعارض بالضرورة مع جوهر الإيمان العميق، بل يمكن أن تكون إطارًا لعيش هذا الإيمان بكرامة ومسؤولية في عالم معاصر يتوق للعدل والحرية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

«التحديات البيئية في الحرب والسلم»

استضاف مقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بدعوة من رئيسه شارل عربيد، لقاءً حوارياً مع وزيرة …