أثر غياب التحديث التشريعي للأحزاب على مستقبل الحياة السياسية

شهدت الساحة السياسية العربية في السنوات الأخيرة نقاشاً متزايداً حول واقع الأحزاب السياسية وضرورة تطوير الإطار التشريعي الناظم لعملها. وقد تجلى هذا النقاش مؤخراً من خلال تصريحات الوزير السابق يوسف سلامة التي أكد فيها على فشل التجربة الحزبية في تجاوز العقلية العائلية وضرورة تحديث النظم التشريعية المتعلقة بالأحزاب. تستعرض هذه الورقة مختلف أبعاد هذه القضية وتحللها في ضوء التحديات الراهنة التي تواجه العمل الحزبي في المنطقة العربية.

الفجوة بين النصوص التشريعية والتطبيق العملي

تمثل الهوة بين القوانين والأنظمة التشريعية للأحزاب من جهة، والممارسة الفعلية على أرض الواقع من جهة أخرى، أحد أبرز التحديات التي تعيق تطوير المنظومة السياسية في عدة دول عربية. فكما أشار الدكتور الحارث الحلالمة، هناك فجوة واضحة “بين العمل والتطبيق، وبين الانضباط النظري والإطار التطبيقي”، مؤكداً أنه رغم وجود تشريعات جيدة وخطوات كبيرة في مجال الإطار التشريعي والإصلاح السياسي، إلا أن التحديث الحقيقي للمنظومة السياسية لا يزال بعيد المنال

وعند استقراء الواقع السياسي، نجد أن الأحزاب في العديد من البلدان العربية تعاني من عدم النضج التنظيمي والفكري، حيث أكد الحلالمة في تصريحاته أن “العمل الحزبي حتى الآن لم يوصف بأنه ناضج، خصوصا أنه لا توجد برامج واضحة، ولا يوجد اختيار أو استقطاب حقيقي للأحزاب”

  هذا الواقع ينعكس على مستوى المشاركة الشعبية، حيث أن نسبة مشاركة المواطنين في الانتخابات لا تزال دون المستوى المطلوب، مع سيطرة واضحة للأحزاب غير البرامجية والأطر الشخصانية.

محدودية الإطار التشريعي وحده في إحداث التغيير

من الضروري التأكيد على أن التحديث التشريعي وحده لا يكفي لإحداث تغيير حقيقي في واقع الأحزاب السياسية. فالإطار القانوني الناظم للأحزاب، رغم أهميته، يظل عاجزاً عن إحداث تحول جذري ما لم يترافق مع تغييرات أخرى في البنية السياسية والثقافية للمجتمع. كما تشير الدراسات المتخصصة، فإن “المطلع على مضمون القانون يجد بأنه يمثل حاله تقدميه في الأُطر التشريعية الناظمة للأحزاب السياسية، إلا أنّ الإطار التشريعي لوحده غير كاف لتطوير الحياة الحزبية”

هذا ما أكده أيضاً الوزير السابق يوسف سلامة في تصريحه الأخير، حين أشار إلى أن “الأحزاب في لبنان نشأت كبديل عن العائلات السياسية، فشلت في أن تتخطى عائلة المؤسس، انتقل إقطاعها على مساحة الوطن وسقطت في الممارسة، كإطارٍ وكفكرة”

  وقد طرح سلامة رؤيته للحل متمثلاً في “تحديث الأحزاب لمواكبة العصر، وتطوير الدستور، تمهيدًا لتنقية الحياة السياسية في لبنان”

 

تحديات هيكلية تواجه التحديث السياسي

يواجه التحديث السياسي للأحزاب تحديات هيكلية متعددة الأبعاد. ففي الأردن مثلاً، يُعد ضعف الأحزاب السياسية “أحد أبرز التحديات التي تواجه مشروع التحديث السياسي”

. ورغم الجهود المبذولة لتعزيز الحياة الحزبية من خلال تعديلات تشريعية وإجراءات حكومية، إلا أن الأحزاب الأردنية لا تزال تعاني من ضعف بنيوي يحد من قدرتها على التأثير السياسي

 من بين هذه التحديات الهيكلية غياب الهوية الأيديولوجية الواضحة للأحزاب، مما جعل العديد منها أقرب إلى تجمعات نخبوية لا تمتلك قاعدة جماهيرية حقيقية. كما أن التعدد الكبير في عدد الأحزاب، الذي يتجاوز خمسين حزبًا في بعض البلدان، زاد من حالة التشرذم السياسي، حيث تفتقر معظم هذه الأحزاب إلى الحضور الفاعل في الحياة العامة

الأحزاب بين النخبوية والتمثيل الشعبي

تعاني الأحزاب في العديد من البلدان العربية من فجوة كبيرة بين قياداتها والقواعد الشعبية، وهو ما يؤدي إلى ضعف تمثيلها الحقيقي لتطلعات المواطنين. وتظهر هذه المشكلة بوضوح في “تفاوت كبير في الإقبال على العمل الحزبي وحتى في الذهاب إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات بين أبناء المدن وأبناء المحافظات”

هذا التفاوت يطرح تساؤلاً مهماً حول القدرة التمثيلية للأحزاب وفاعليتها في تجسيد إرادة الناخبين. وقد لخّص أحد المختصين هذه المعضلة بالتساؤل: “كيف تستقطب الناس في المدن الكبرى للأحزاب؟”

، مما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الأحزاب في بناء قاعدة شعبية واسعة.

التحديات المالية وتأثيرها على استقلالية الأحزاب

يُعد التمويل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية وتؤثر بشكل مباشر على استقلاليتها وقدرتها على القيام بدورها. فقد أشار الدكتور خالد البكار إلى أن الأحزاب تواجه “تحديات مالية” خطيرة، خاصة مع “تقلص المقاعد المحلية”

  وأوضح أن “الحكومة قطعت يدها عن دعم الأحزاب، ولم تعد تدعم الأحزاب البرامجية… لا بمقراتها ولا بخدماتها”

هذا الوضع يثير مخاوف حقيقية من “سيطرة المال السياسي على القوة السياسية في المرحلة المقبلة” وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف استقلالية الأحزاب وارتهانها لمصالح الممولين، بدلاً من تمثيل مصالح الناخبين والمواطنين.

ضعف التنسيق الداخلي وتأثيره على البرامج الحزبية

من أبرز العقبات التي تواجهها الأحزاب “ضعف التنسيق الداخلي، مما ينعكس على شكل برامج سياسية غير مترابطة تحد من قدرتها على التأثير الفاعل في العملية التشريعية” وفي ظل غياب برامج واضحة وواقعية، تظل الأحزاب عاجزة عن تقديم رؤى بديلة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع.

كما أن “غياب العمل الجماعي بين الأحزاب داخل البرلمان يُضعف فعالية الدور التشريعي” مما يستدعي تطوير آليات عمل مشتركة تعزز التنسيق البرلماني وتمكن الأحزاب من ممارسة دورها التشريعي والرقابي بشكل أكثر فاعلية.

قراءة في تصريحات الوزير يوسف سلامة

في ضوء هذه التحديات، تأتي تصريحات الوزير السابق يوسف سلامة لتسلط الضوء على جوهر إشكالية الأحزاب في لبنان، والتي تنطبق بدرجات متفاوتة على العديد من البلدان العربية. فقد رأى سلامة أن الأحزاب “نشأت كبديل عن العائلات السياسية، فشلت في أن تتخطى عائلة المؤسس، انتقل إقطاعها على مساحة الوطن وسقطت في الممارسة، كإطارٍ وكفكرة”

هذا التشخيص يلامس جوهر الإشكالية المتمثلة في تحول العديد من الأحزاب إلى امتداد للعائلات السياسية، بدلاً من أن تكون أطراً مؤسسية قائمة على البرامج والأفكار. ويرى سلامة أن الحل يكمن في “تحديث الأحزاب لمواكبة العصر، وتطوير الدستور، تمهيدًا لتنقية الحياة السياسية في لبنان”

يمكن قراءة تصريحات سلامة في سياق رؤية شاملة للإصلاح السياسي، تتجاوز مجرد التعديلات التشريعية إلى إعادة هيكلة البنية الحزبية وتطوير آليات عملها بما يتناسب مع متطلبات العصر ويلبي تطلعات المواطنين.

نحو رؤية مستقبلية للتحديث الحزبي

في ضوء هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى رؤية مستقبلية شاملة للتحديث الحزبي، تتجاوز مجرد التعديلات التشريعية إلى إعادة هيكلة البنية الحزبية وتطوير آليات عملها. وتتضمن هذه الرؤية عدة محاور:

أولاً: تطوير البنية التشريعية بما يضمن استقلالية الأحزاب وحرية عملها، مع وضع ضوابط قانونية تضمن شفافية تمويلها وديمقراطية آلياتها الداخلية.

ثانياً: تعزيز البنية المؤسسية للأحزاب، بحيث تصبح أكثر قدرة على تجاوز الارتباط بشخص المؤسس أو العائلة السياسية، وتطوير آليات انتقال السلطة داخلها بشكل ديمقراطي وسلس.

ثالثاً: دعم الأحزاب في بناء برامج واقعية قادرة على “الانتقال إلى أرض الواقع”

  بدلاً من الاكتفاء بطرح شعارات وبرامج لا تلامس حياة المواطنين.

رابعاً: إيجاد آليات فعالة لتشجيع الشباب على المشاركة في العمل الحزبي، واستقطابهم نحو العمل السياسي المنظم، بدلاً من العزوف عن المشاركة السياسية.

يتضح مما سبق أن غياب التحديث التشريعي للأحزاب يؤثر بشكل عميق على الحياة السياسية، من خلال إضعاف دور الأحزاب كوسيط بين المواطنين والسلطة، وتقويض قدرتها على تمثيل المصالح الشعبية بشكل فعال. لكن في الوقت نفسه، فإن التحديث التشريعي وحده لا يكفي لإحداث التغيير المنشود، ما لم يترافق مع تغييرات أخرى في البنية السياسية والثقافية للمجتمع.

تشكل تصريحات الوزير السابق يوسف سلامة إضاءة مهمة على جوهر إشكالية الأحزاب في المنطقة العربية، وتقدم رؤية متكاملة للحل تتجاوز مجرد التعديلات التشريعية إلى إعادة هيكلة البنية الحزبية وتطوير آليات عملها بما يتناسب مع متطلبات العصر ويلبي تطلعات المواطنين.

إن بناء حياة سياسية سليمة يتطلب تضافر جهود مختلف الأطراف: السلطة التشريعية لتطوير القوانين الناظمة للعمل الحزبي، والسلطة التنفيذية لتوفير البيئة المناسبة للعمل السياسي، والأحزاب نفسها لتطوير بنيتها الداخلية وبرامجها السياسية، فضلاً عن المواطنين الذين يقع عليهم واجب المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …