غياب الإصلاحات الاقتصادية في لبنان بعد الانتخابات الرئاسية: تحليل الأسباب والتداعيات

في أعقاب الانتخابات الرئاسية اللبنانية التي أنهت فراغًا دام 26 شهرًا، كانت التوقعات عاليةً ببدء مرحلة إصلاحية تعيد بناء الاقتصاد المنهك. ومع ذلك، لم تشهد الفترة التالية للانتخابات أي إجراءات ملموسة نحو الإصلاح، بل استمر الجمود السياسي والاقتصادي الذي يهدد بمزيدٍ من التدهور. يعود هذا الواقع إلى تشابك عوامل سياسية ومؤسساتية واقتصادية، تتفاعل معًا لتعطيل أي محاولة للتغيير.

1. السياق السياسي: الاستقطاب وغياب الإرادة الجماعية

1.1. النظام الطائفي وتفكك التحالفات

يُعتبر النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية أحد أبرز العوائق أمام الإصلاح

. فبعد انتخاب الرئيس جوزيف عون، استمرت الانقسامات بين الكتل السياسية، حيث يُصر كل طرف على حماية مصالحه الضيقة بدلًا من العمل لصالح المصلحة الوطنية. على سبيل المثال، أدى الخلاف حول توزيع الحقائب الوزارية إلى تعطيل تشكيل الحكومة لأشهر، مما حال دون اعتماد أي خطة إنقاذ. يوضح تحليل صحيفة “الديار” أن النخبة السياسية تفضل الحفاظ على الوضع القائم، الذي يضمن لها شبكات الزبائنية والامتيازات، على حساب الإصلاحات التي قد تقلص نفوذها

.

1.2. التدخلات الإقليمية وتأثيرها

لا يقتصر الأمر على العوامل الداخلية؛ فلبنان يقع في قلب صراعات إقليمية تعيق استقراره. تُشير التقارير إلى أن بعض الأطراف السياسية تربط الإصلاحات بمواقف تتعلق بتحالفات خارجية، مثل الموقف من الملف النووي الإيراني أو العلاقة مع السعودية

. هذا الانقسام يعكس نفسه في رفض بعض الكتل التوافق على سياسات اقتصادية قد تُعتبر “تنازلًا” لمطالب جهات دولية، مثل شروط صندوق النقد الدولي

.

2. الإطار المؤسساتي: بنية هشة وعجز عن التنفيذ

2.1. انهيار الثقة في المؤسسات المالية

يشكل القطاع المصرفي، الذي كان عماد الاقتصاد، مثالًا صارخًا على الإخفاق المؤسساتي. فمنذ الأزمة المالية عام 2019، لم تُتخذ أي خطوات جادة لإعادة هيكلة البنوك، بسبب مقاومة النخب المالية المرتبطة بالنظام السياسي

. وفقًا لتحليل محمد سعد في “سكاي نيوز عربية”، ترفض المصادر التي تهيمن على القطاع المصرفي أي إصلاح يمس امتيازاتها، مثل تقليص الفوائد على الودائع أو محاسبة المسؤولين عن الانهيار

.

2.2. فشل قطاع الكهرباء كنموذج للإدارة

يستهلك قطاع الكهرباء ما يصل إلى 40% من ميزانية الدولة، وفقًا لتقديرات البنك الدولي، دون أن يوفر خدمة تتجاوز 4 ساعات يوميًا في أفضل الأحوال

. ومع ذلك، فإن أي محاولة لإصلاح هذا القطاع تواجه معارضةً من مجموعات مصلحية تستفيد من عقود المولدات الخاصة وتهريب الوقود. يُلاحظ أن الخطط المطروحة لتحديث الشبكة تعثرت بسبب الفساد في المناقصات وعدم وجود إشراف فعلي

.

3. التحديات الاقتصادية الهيكلية: دوامة الانهيار

3.1. أزمة العملة وانهيار القوة الشرائية

بلغ سعر صرف الليرة اللبنانية نحو 100,000 ليرة للدولار في السوق السوداء بحلول نهاية 2024، مما أدى إلى انخفاض قيمة المدخرات بنسبة 90%

. لم تتمكن الحكومة من توحيد سعر الصرف أو إقرار سياسة نقدية واضحة، بسبب غياب الإجماع على خطة إنقاذ تشمل تقليص العجز وزيادة الإيرادات

.

3.2. الدين العام وعبء المديونية

يقدر الدين العام اللبناني بأكثر من 100 مليار دولار، أي ما يعادل 200% من الناتج المحلي الإجمالي

. وفي غياب إصلاح ضريبي عادل، أصبحت الدولة عاجزة عن خدمة هذا الدين، خاصة مع تراجع التحويلات الخارجية ودخل السياحة بنسبة 70% بعد الأزمة. تُظهر وثائق صندوق النقد أن أي اتفاق مع لبنان مشروط بخفض الدعم وفرض ضرائب على القطاعات غير الرسمية، وهو ما ترفضه الكتل السياسية خوفًا من فقدان الشعبية

.

4. العوامل الاجتماعية: فقدان الثقة والاحتجاجات

4.1. انقسام الرأي العام وغياب الضغط الشعبي

على الرغم من المعاناة الاقتصادية، لم تشهد الفترة الأخيرة احتجاجات واسعة كتلك التي اندلعت عام 2019. يُعزى ذلك جزئيًا إلى “الخوف من العقاب الاجتماعي”، حيث يخشى الأفراد التعبير عن دعمهم للإصلاح خشية فقدان الوصول إلى الخدمات الأساسية التي تتحكم بها الأحزاب الطائفية

. وفقًا لدراسة أجراها مركز “LCPS”، انخفضت نسبة المؤيدين للإصلاح الذين يُعلنون مواقفهم علنًا من 70% إلى 50% عند ربط التوقيع بأسمائهم

.

4.2. هجرة الكفاءات وتداعياتها

أدت الأزمة إلى هجرة أكثر من 300,000 شاب متعلم بين 2020 و2024، وفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة

. يُضعف هذا النزوح القدرة على تنفيذ الإصلاحات، إذ تُفقد الدولة الكوادر القادرة على قيادة التغيير في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم.

5. الدور الدولي: شروط غير مُلبَّاة وفرص ضائعة

5.1. تعثر اتفاق صندوق النقد الدولي

رغم المفاوضات المتكررة، لم يُوقَّع أي اتفاق مع صندوق النقد بسبب عدم استيفاء الشروط، مثل إصلاح المصارف ورفع الدعم

. تُشير تسريبات لـ”الشرق الأوسط” إلى أن المجتمع الدولي فقد الثقة في النخبة اللبنانية، حيث تُنفق الأموال المُقدمة على مشاريع غير منتجة أو تُهرب عبر البنوك

.

5.2. محدودية الدعم العربي

بينما تُعلن دول مثل السعودية وقطر استعدادها للمساعدة، فإن مساعداتها مشروطة بإصلاحات ووقف النفوذ الإيراني

. لكن التعنت في الملفات السياسية، مثل نزع سلاح “حزب الله”، جعل هذه الدول تتحفظ على ضخ أموال دون ضمانات

.

الخاتمة: نحو أي مستقبل؟

غياب الإصلاحات ليس نتيجةً لعدم وجود خطط، بل لغياب الإرادة السياسية الحقيقية. فالنخبة الحاكمة، بمختلف انتماءاتها، تفضل الحفاظ على النظام القائم الذي يضمن بقاءها في السلطة، حتى لو كان الثمن انهيار الدولة. في هذا السياق، يصبح دور المجتمع الدولي محدودًا ما لم يرافق الضغط الاقتصادي دعمٌ للقوى المدنية والمجتمعية التي قد تشكل بديلًا عن النظام الطائفي. دون ذلك، سيستمر لبنان في الانزلاق نحو المجهول، مع تداعياتٍ لا تقتصر على حدوده، بل تمتد إلى استقرار المنطقة بأكملها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …