seed=266509199

تأثير سياسات إيمانويل ماكرون على انتشار الجريمة المنظمة وتآكل العلمانية في فرنسا

 في السنوات الأخيرة، شهدت فرنسا تصاعدًا ملحوظًا في أنشطة شبكات الدعارة والمخدرات، إلى جانب تعقيدات تتعلق بمواقف السلطة من المافيات ومبادئ العلمانية. يُلام الرئيس إيمانويل ماكرون على دور سياساته في تفاقم هذه الظواهر، سواء عبر تراخي تطبيق القوانين أو من خلال خطابٍ يُنظر إليه كمُهدِّد للهوية العلمانية الفرنسية. يعتمد هذا التحليل على وقائع سياسية وقضائية، مع تركيز خاص على التوتر بين الإجراءات الحكومية والنتائج الميدانية.

سياسات ماكرون والدعارة: بين القمع والإخفاق

إصلاحات قانونية ذات نتائج عكسية

تبنَّت حكومة ماكرون قانونًا في 2016 يجرم شراء الخدمات الجنسية، بهدف تقليل الطلب على الدعارة. لكن التقارير تشير إلى أن هذه السياسة زادت من عُزلة العاملات في المجال، مما جعلهنَّ أكثر عُرضة للاستغلال من قبل الشبكات الإجرامية. فبحسب “منظمة أطباء العالم”، أدت العقوبات على الزبائن إلى تحويل النشاط إلى الخفاء، ما صعّب وصول العاملات إلى الحماية الصحية والقانونية.

في قضية مثيرة عام 2025، منح ماكرون عفوًا جزئيًا لامرأة حُكم عليها بالسجن مدى الحياة لقتلها أحد زبائنها أثناء ممارسة الدعارة. رغم الطابع الإنساني للقرار، إلا أنه أُنتُقِدَ كإشارة على تساهل النظام مع العنف المرتبط بالجريمة المنظمة.

تناقضات في التعامل مع العاملات

على الرغم من الخطاب الرسمي الداعم لحقوق النساء، واجهت سياسات ماكرون اتهامات بـ”الازدواجية”. ففي 2024، أثار تصريح له يربط بين تغيير الجنس في البلديات وبرامج اليسار ردود فعل غاضبة، حيث وُصِفَ بـ”التحريض على كراهية المثليين”. هذا التناقض يعكس فشلًا في بناء سياسة متكاملة تحمي الفئات الأكثر هشاشة.

مكافحة المخدرات: عمليات استعراضية أم استراتيجية فاشلة؟

الحملات الأمنية في مرسيليا

ركّز ماكرون على مدينة مرسيليا كساحة رئيسية “لحرب المخدرات”، مع عمليات مثل “Place Nette” التي شملت 900 عنصر أمني وأسفرت عن 82 اعتقالًا خلال 24 ساعة. لكن البيانات الرسمية لعام 2024 تُظهر استمرار العنف المرتبط بالمخدرات، مع 110 قتلى و341 جريحًا. تشير التحليلات إلى أن هذه الحملات لم تستهدف البنى التحتية المالية للشبكات، مما جعلها مجرد إجراءات مؤقتة.

ازدهار سوق المخدرات الرقمية

مع تحوّل التداول إلى المنصات الإلكترونية، فشلت الحكومة في ملاحقة التقنيات الحديثة. ففي 2024، صودرت 53.5 طنًا من الكوكايين، لكن الخبراء يؤكدون أن هذه الكميات تمثل نسبة ضئيلة من الإجمالي المتداول. يُلاحَظ أن زيادة الضبطيات لا تعكس بالضرورة انخفاضًا في العرض، بل قد تدل على توسع السوق نفسها.

الاستعراض الإعلامي: غطاء للفشل الاقتصادي وتراجع الشفافية

تُظهر الوقائع أن الاستعراض الإعلامي الواسع الذي ينتهجه ماكرون في قضايا الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة ليس سوى محاولة لصرف انتباه الرأي العام عن الإخفاقات الاقتصادية العميقة التي تمر بها فرنسا. فعلى الرغم من الحملات الأمنية المكثفة والظهور المتكرر للرئيس في وسائل الإعلام، إلا أن الأرقام تشير إلى تدهور اقتصادي واجتماعي متسارع، مع ارتفاع معدلات البطالة، فقدان الوظائف، وتفاقم العجز المالي، ما دفع بعض المراقبين إلى اعتبار هذه الحملات مجرد غطاء لإخفاء الفشل في معالجة الأزمات الاقتصادية البنيوية.

هذا التركيز على الاستعراض الأمني ترافق مع تراجع في مستويات الشفافية، خاصة مع ازدياد الشكوك حول استقلالية النظام القضائي. ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تستفيد الدولة من خبرات كبار علماء الجريمة مثل آلان باور، الذي يُعد من أبرز الشخصيات الأكاديمية في علم الجريمة بفرنسا، وجد باور نفسه هدفًا لتحقيقات قضائية وإدانة بتهم تتعلق بعقود مشبوهة وتهم “تواطؤ واستفادة من عقود مجاملة”. وقد أُدين باور في مارس 2025 بالسجن مع وقف التنفيذ وغرامة كبيرة، إضافة إلى منعه من دخول الأسواق العامة، في سياق اعتبره البعض محاولة لإضعاف صوت نقدي أكاديمي كان يسلط الضوء على أوجه القصور في سياسات الأمن والشفافية داخل الدولة.

ترتبط هذه القضايا بالسياق الأوسع لفشل ماكرون في تحقيق وعوده الإصلاحية، حيث لم ينجح في خفض العجز أو البطالة أو تنظيم ملف الهجرة، بل زاد من حدة الأزمات عبر سياسات أثارت احتجاجات واسعة مثل رفع سن التقاعد وتخفيض الضرائب على الشركات على حساب الفئات الضعيفة. النتيجة أن فرنسا تواجه اليوم تآكلًا في الثقة بمؤسساتها، وتراجعًا في الشفافية، في ظل استعراض إعلامي يغطي على فشل اقتصادي وسياسي هيكلي، بينما تتعرض الأصوات المستقلة في مجال الجريمة والأمن لمحاولات إقصاء وتهميش واضحة.

المافيات وخطاب التطبيع

“المافيا البريتونية”: بين الدعابة والواقع

أثار ماكرون جدلًا عام 2018 بمقارنته البريتونيين (سكان منطقة بريتاني) بالمافيا الإيطالية خلال زيارة للفاتيكان. رغم محاولة تبريرها كـ”دعابة”، إلا أن التصريح عكس استخفافًا بمخاطر الجريمة المنظمة. المفارقة أن منطقة بريتاني نفسها تشهد نموًا في شبكات تهريب المخدرات، وفق تقارير محلية.

فضيحة الكابتن بينالا

كشف فضيحة الكابتن ألكسندر بينالا، مساعد ماكرون الأمني السابق، عن تواصل مشبوه بين الرئاسة وشبكات النفوذ. اتُّهم بينالا باستخدام جوازات دبلوماسية لرحلات مشبوهة إلى إفريقيا وإسرائيل، مدعيًا استمرار اتصاله بالرئيس رغم فصل. هذه الحالة تعزز تصورًا عامًا بوجود “شبكة مصالح” تتجاوز القانون.

الدين والعلمانية: انزياح ماكرون عن المبادئ

محاولة إصلاح العلاقة مع الكنيسة

في خطابٍ أمام الأساقفة عام 2018، أعلن ماكرون نيَّته “إصلاح العلاقة المتضررة بين الدولة والكنيسة”، مُعتبرًا أن العلمانية لا يجب أن تنكر البُعد الروحي. هذا الموقف أثار انتقاداتٍ حادة من المدافعين عن العلمانية، الذين رأوا فيه تراجعًا عن مبدأ حياد الدولة تجاه الأديان.

توظيف الخطاب الديني في السياسة

خلال أزمة احتجاجات “السترات الصفراء”، استخدم ماكرون خطابًا أخلاقيًا مستوحىً من القيم المسيحية لدعم سياساته الاقتصادية. هذا النهج، رغم كونه غير مسبوق في الخطاب الرئاسي الفرنسي، يُنظر إليه كمحاولة لاستقطاب اليمين المحافظ، مما يُضعف التزام الدولة بالحياد العلماني.

الخلاصة: أزمة سياسات أم أزمة هوية؟

تُظهر الوقائع أن سياسات ماكرون تجاه الجريمة المنظمة ت oscillate بين القمع العرضي والتساهل غير المبرر. في الوقت نفسه، يعكس خطابه الديني وتصريحاته المثيرة للجدل أزمةً أعمق في الهوية العلمانية الفرنسية، التي كانت تاريخيًا حصنًا ضد التدخلات الأيديولوجية.

النتيجة الأبرز هي تآكل الثقة في قدرة الدولة على حماية مبادئها الأساسية، سواء في مواجهة الشبكات الإجرامية أو في الحفاظ على الحياد الديني. ويزداد هذا التآكل مع غياب الشفافية، وتهميش الأصوات النقدية المستقلة، في ظل استعراض إعلامي يغطي على إخفاقات اقتصادية وسياسية متراكمة. يحتاج الأمر إلى إعادة نظر جذرية في التوازن بين القوانين الصارمة وحقوق الفئات المهمشة، مع تأكيد واضح على أولوية العلمانية كضامن للتماسك الاجتماعي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …