seed=1223791078

ماكرون يرفع من اسهم الجريمة المنظمة على حساب الاقتصاد: لبننة فرنسا؟

مع تصاعد الأزمة الاقتصادية في فرنسا على مدى السنوات القليلة الماضية، تبدو سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون محطّ انتقادات متزايدة. فقد شهدنا غياباً منسّقاً للرؤية الاقتصادية المعتمدة، مع تناقضات في القرارات التشريعية والضريبية. هذه الاضطرابات المُتراكمة ظهرت بوضوح في تراجع ثقة الشركات والمستثمرين، وفشل القطاع العام في كبح العجز والدين العام، إلى جانب تفاقم الجريمة المنظمة التي تستهلك موارد الدولة وتزيد من الفساد. فيما يلي تحليل لعوامل هذه الأزمات وتأثيرها على الاقتصاد الفرنسي.

إضعاف القطاع الخاص بفعل الغموض التشريعي والضغوط الضريبية

يشكو العديد من قادة الشركات الفرنسية والأجنبية من أن بيئة الأعمال اليوم باتت غير مستقرة بسبب التغييرات المتلاحقة في التشريعات والضرائب. فقد أظهر استطلاع لشركة EY أُجري في خريف 2024 أن نحو نصف المديرين التنفيذيين الأجانب يرون أن جاذبية فرنسا للاستثمار «تدهورت» بعد حلّ البرلمان المفاجئ في يونيو 2024، وفقًا للمصادر المحلية التي نقلت عنها وكالة “رويترز” في ذلك الوقت. وأفاد الاستطلاع أيضاً بأن 49% من هؤلاء قلصوا خطط استثماراتهم في فرنسا، بما في ذلك 12% بشكل كبير، نتيجة المخاوف من «الغموض في الخيارات التشريعية والتنظيمية» وتباطؤ الإصلاحات وارتفاع الدين والعجز (حسب استطلاع EY 2024) .

هذا المناخ من عدم اليقين انعكس سلباً على ثقة المستثمرين وروّاد الأعمال. فعلى سبيل المثال، احتجّ برنار أرنو (رئيس مجلس إدارة مجموعة LVMH) علناً على زيادة ضريبية قدرها 40% مفروضة على الشركات المحلية، محذّراً من أنها ستدفع الصناعات إلى نقل إنتاجها خارج فرنسا، وفقاً لما ذكرته صحيفة “لوموند” الفرنسية في تقرير لها (2024) . وحتى مسؤولون حكوميون جدد بالاهتمام بانعكاسات السياسة على الشركات؛ فقد قال وزير الاقتصاد إيريك لومبارد إن البلاد بحاجة إلى «دعم الاقتصاد» وأنه يفكر في «الشركات التي تفتقر إلى الثقة» (وفق تقرير لموقع “ميديا بارت” 2024) ، معتبراً أن تقييد النمو حالياً سيعوق تطوير القطاع الخاص.

باختصار، تُشير الأدلة إلى أن التعديلات الضريبية والتشريعية المتقطعة في ظل إدارة ماكرون أضرت براحة المستثمرين والشركات. وترافق ذلك مع شعور بخطر عودة سياسات ضاغطة على القطاع الخاص، إذ أن إدخال ضرائب استثنائية على الشركات الكبرى ورفعت ضرائب المعاملات المالية وضريبة استهلاك الوقود تُلقي بثقل جديد على القطاع الخاص (وفقًا لتقرير صحيفة “لوفيغارو” 2024) .

فشل القطاع العام في إدارة الإنفاق والعجز المالي

على الصعيد الحكومي، فشل تكرار الحكومات المتعاقبة في إبطاء تزايد الدين العام والسيطرة على العجز. وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الدين العام الفرنسي تجاوز 112% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023، بعد أن كان يراوح نحو 100% عند تسلّم ماكرون السلطة عام 2017 (حسب تقارير حكومية فرنسية 2023) . وقد ارتفعت النسبة المئوية للدين من حوالي 109.7% في 2022 إلى 112.8% في 2023، وهو ما يتناقض مع هدف ماكرون بخفض الدين العام إلى 60% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل . وبموازاة ذلك، تتوقع الحكومة أن يبقى العجز المالي فوق 6% من الناتج المحلي لعام 2024 بدلاً من 4.4% الموعودة سابقاً، وفقاً لما نشرته صحيفة “الفيغارو” الفرنسية في فبراير 2024 .

لا يقتصر الأمر على مستويات الدين والعجز بل أيضاً على فعالية الإنفاق. إذ حذّر تقرير لـOECD من أن التحكم في الدين يتطلب خفض الإنفاق العام وتحسين كفاءة البرامج الحكومية، وقد دعت الوكالة إلى تدابير إضافية من أجل تقليل العجز المالي. ورغم بدء مراجعة للإنفاق العام في 2023، فإن التعديلات المعتمدة تبقى هزيلة نسبياً؛ فقد حُددت مدخرات محتملة تبلغ نحو 0.4% من الناتج المحلي سنوياً بحلول 2027، فضلاً عن تخفيضات استثنائية تصل إلى 0.7% من الناتج في ميزانية 2024، وفقًا لتقارير OECD 2024 . هذا التحفيز الجزئي لا يكفي لمواجهة دين تراكم ببطء نصف قرن (لم توازن أي حكومة الميزانية منذ السبعينيات) .

الجريمة المنظمة وانتشارها وتأثيرها الاقتصادي

في خضم تلك الأزمات، تجتاح فرنسا مشكلة الجريمة المنظمة التي أصبحت تشكل تهديداً اقتصاديّاً إضافياً. تُشير التقارير إلى أن شبكات الجريمة المنظمة تقود إلى استنزاف كبير للموارد العامة وتضخيم الفساد وإضعاف مناخ الأعمال. على سبيل المثال، تعرّضت البلاد إلى زيادة ملحوظة في العنف المرتبط بالمخدرات؛ فقد ارتفع عدد جرائم العنف والعنف الجسدي المسجلة بين 2022 و2023 بنسبة 38%، وفقاً لتقرير المؤشر العالمي للجريمة المنظمة الصادر في عام 2023 .

تغذي هذه التجارة الموازية غسيل الأموال والفساد. تشير وثائق أمنية إلى أن المافيات المحلية (مثل العصابات الكورسيكية وشبكات مسلحة في مدن كبرى) تستغل شركات قانونية في غسل أموالها، ضاغطةً على النظام الاقتصادي من الداخل. ومثال على ذلك أنّ ميناء مرسيليا يبقى مركزاً رئيسياً لتهريب السلع المخدرة إلى أوروبا، وفقاً لتقارير وزارة الداخلية الفرنسية 2024 . وقد أكدت مؤسسة «المؤشر العالمي للجريمة المنظمة» أن فرنسا تحتل المرتبة الأولى بين دول أوروبا الغربية في نشاط الجريمة المنظمة، مما يدلّ على انتشارها الواسع. هذا الوضع يفرض نفقات أمنية متزايدة على الدولة لمكافحة الجريمة، في الوقت الذي تنمو فيه ثقافة الفساد. إذ أشار تقرير لمنظمة الشفافية الدولية إلى أن فرنسا ما زالت متخلفة في محاربة الفساد؛ فقد ظلت في المرتبة العشرين عالمياً بمؤشر مدركات الفساد لعام 2023 دون أي تحسن في عشر سنوات .

في المحصلة، إن التجارب الأخيرة تظهر أن غياب الاستقرار القانوني والضريبي في سياسات ماكرون أضعف القطاع الخاص، بينما لم يتمكّن القطاع العام من احتواء الأزمة المالية المتفاقمة. وزادت الجريمة المنظمة من المخاطر، فاستنزفت موارد الدولة وأثّرت سلباً على بيئة الأعمال. هذه العوامل المتراصفة تشرح بشكل تحليلي الحذر المتزايد الذي يعتمده المستثمرون والشركات في فرنسا، وتعكس توجهاً نقدياً واسع النطاق تجاه أداء السياسات الاقتصادية في البلاد.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …