سيناريو اندماج المستثمرين والخبراء الموالين سابقاً في الواقع السوري الجديد: تحوّلات ما بعد الصراع

تشهد سوريا مرحلة انتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث تبرز تحديات إعادة الإعمار كمدخل لإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية والسياسية. يعتمد هذا السيناريو على تجارب عربية سابقة مثل العراق ولبنان واليمن، حيث تحوّلت شبكات النفوذ القديمة إلى كيانات جديدة عبر آليات “التكيّف الاستراتيجي”. ففي العراق، مثلاً، أعادت النخب المرتبطة بنظام صدام حسين تموضعها عبر تحالفات مع الأحزاب الجديدة وشركات إعمار دولية، بينما في لبنان، استخدم حزب الله مؤسسات مثل “جهاد البناء” و”معمار” لتعزيز نفوذه عبر عقود إعادة الإعمار

القسم الأول: إستراتيجيات التكيّف للفاعلين السابقين

1. إعادة تشكيل الهويات الاقتصادية

ستسعى الشركات المرتبطة سابقاً بالنظام السوري أو حزب الله إلى إعادة تسمية نفسها وإنشاء كيانات قانونية جديدة لتجنب العقوبات الدولية. ففي ليبيا، على سبيل المثال، أعادت الشركات الموالية لنظام القذافي هيكلة نفسها عبر شراكات مع مؤسسات مصرية وتركية

. قد تعتمد هذه الكيانات على:

  • الاستثمار في قطاعات غير خاضعة للعقوبات: مثل الطاقة المتجددة أو الزراعة، مستفيدة من الفراغ التشريعي في المرحلة الانتقالية.

  • التحالف مع جهات دولية: كالشركات الصينية أو الروسية التي لا تلتزم بالقيود الغربية، كما حدث في إعادة إعمار العراق عبر شركات آسيوية

2. الاستفادة من الخبرات السابقة

سيُستغل الخبراء الذين عملوا في مشاريع النظام السوري (مثل إعادة إعمار حلب أو دمشق) خبراتهم التقنية لإثبات “الحياد المهني”. هنا، يمكن الاستناد إلى نموذج اليمن، حيث تحوّل مقاولون مرتبطون بالحوثيين إلى وسطاء بين الحكومة الجديدة والمانحين الدوليين

لقسم الثاني: التفاعل مع القوى السياسية الجديدة

1. تحالفات مع أحزاب لبنانية معارضة

ستحاول شبكات الأعمال السورية السابقة بناء جسور مع أحزاب مثل “القوات اللبنانية” و”الكتائب”، التي ترفض الهيمنة السورية تاريخياً

. قد يتضمن ذلك:

  • تمويل مشاريع مشتركة: كإعادة تأهيل البنى التحتية العابرة للحدود، مع التركيز على مناطق ذات حضور لبناني مثل وادي البقاع.

  • دعم خطاب “المصالحة الاقتصادية”: عبر الترويج لدور “رجال الأعمال المستقلين” في تجاوز الانقسامات، كما فعلت شركات ليبية مرتبطة بجماعات مسلحة سابقاً

2. توظيف الخطاب الوطني

ستعمد هذه الكيانات إلى تبني خطاب يُبرز “الولاء للدولة السورية الجديدة”، متجنبة أي ذكر للعلاقات السابقة مع حزب الله أو الأسد. يشبه هذا النهج ما حدث في العراق بعد 2003، حيث أعادت عائلات تجارية بارزة صياغة سردياتها لتصبح جزءاً من “العراق الجديد”

.القسم الثالث: التحديات والمخاطر

1. الضغوط الدولية والمحاسبة

ستواجه هذه الكيانات خطرَ التعرّض لعقوبات إذا فشلت في قطع العلاقات مع جهات مُدرَجة على القوائم السوداء. ففي لبنان، مثلاً، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات مثل “معمار” لصلتها بحزب الله

. للتخفيف من هذا الخطر، قد تُنشئ هذه الكيانات “جدراناً نارية” قانونية تفصل بين أنشطتها القديمة والجديدة.

2. المنافسة مع النخب الجديدة

سيواجه الوافدون الجدد من رجال الأعمال المنتمين للقوى السياسية الصاعدة (مثل تحالف “القوات اللبنانية” مع فصائل سورية معارضة) منافسة شرسة. هنا، قد تُستخدم آليات مثل الفساد المُمنهج أو الاحتكار، كما حدث في ليبيا حيث سيطرت مجموعات مسلحة على عقود إعادة الإعمار

القسم الرابع: دور العوامل الإقليمية والدولية

1. دول الخليج والاستثمارات المشروطة

ستُشكل الدول المانحة مثل السعودية والإمارات قوة ضاغطة لاستبعاد الفاعلين المرتبطين بإيران أو حزب الله. قد تُوجَّه الأموال عبر صندوق إعمار سوري مُراقَب دولياً، مشابه لـ”صندوق إعادة إعمار ليبيا” الذي رُبط بشرط استبعاد الميليشيات

2. الدور الروسي والصيني

ستستثمر روسيا والصين في القطاعات الاستراتيجية (كالطاقة والموانئ)، مما قد يوفر غطاءً لشركات سورية سابقة عبر عقود مشتركة. هذا النموذج مشابه لدور الشركات الروسية في إعادة إعمار سوريا خلال سنوات الحرب مشهد هجين بين الاستمرارية والتغيير

ستنتج المرحلة الانتقالية في سوريا اقتصاداً هجيناً، حيث تتعايش النخب القديمة مع قوى جديدة عبر تحالفات هشة. سيعتمد نجاح المستثمرين السابقين على قدراتهم في:

  • إدارة التوازنات السياسية: بين المطالب المحلية والدولية.

  • إعادة توظيف رأس المال البشري: كالمهندسين والعمال المدربين خلال سنوات الحرب.

  • استغلال الفراغ القانوني: لتحقيق مكاسب سريعة قبل استقرار الأطر التشريعية.

ستبقى إعادة الإعمار، كما في التجارب العربية السابقة، أداةً لإعادة تشكيل السلطة أكثر من كونها مشروعاً تنموياً خالصاً

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …