حل إشكالية اللاتمثيلية في لبنان: بين إرث الحرب الأهلية وتداعيات الصراع مع إسرائيل

تُمثِّل الدولة اللبنانية نموذجًا فريدًا للتعقيدات السياسية الناتجة عن تداخل العوامل الطائفية مع إرث الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية. منذ نهاية الحرب الأهلية (1975-1990)، ظلَّ لبنان يعاني من أزمة تمثيل سياسي عميقة، تفاقمت بسبب استمرار تأثير الميليشيات المسلحة وتباين الروايات التاريخية حول أسباب الصراعات ونتائجها. تتعاظم هذه التحديات مع استمرار تداعيات الوجود الفلسطيني وانعكاساته على العلاقة مع إسرائيل، مما يستدعي مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة وتعيد صياغة العقد الاجتماعي.

إشكالية التمثيل السياسي: من الطائفية إلى الدولة المدنية

يعتمد النظام السياسي اللبناني على “الميثاق الوطني” غير المُعلن، الذي يُقسِّم السلطة بين الطوائف الرئيسية وفق معادلة هشة. تُظهر الانتخابات النيابية الأخيرة (2022) أن 67% من الناخبين يُفضِّلون مرشحًا من طائفتهم بغض النظر عن الكفاءة

، مما يعكس تحوُّل البرلمان إلى ساحة لصراع الهويات الفرعية بدلًا من تمثيل الإرادة الوطنية. جاء قانون الانتخاب النسبي لعام 2017 محاولةً لتحسين التمثيل، لكنه حافظ على تقسيم الدوائر الطائفية، حيث تُوزَّع المقاعد مسبقًا وفق الحصص المذهبية

في هذا السياق، تبرز مبادرة “لبنان للكل” (2025) كمحاولة لتجاوز الطائفية عبر نظام نسبي يعتمد الدوائر الكبرى واللوائح المغلقة، مع تعزيز التمثيل النسائي

. لكن نجاح مثل هذه الإصلاحات يتطلَّب إصلاحًا موازيًا للأحزاب السياسية، التي لا تزال تعمل كأدوات زبائنية بدلًا من كونها منصات لصنع السياسات. فغياب الأحزاب البرامجية يُعيق تحوُّل النظام إلى ديمقراطية تشاركية حقيقية، ويُبقِي التمثيل “مشطوبًا” بين الولاءات الضيقة والمصلحة الوطنية

إرث التحركات المسلحة: من الميليشيات إلى سيادة الدولة

شكَّلت الحرب الأهلية بيئة خصبة لظهور الميليشيات الطائفية، التي تحوَّلت لاحقًا إلى قوى سياسية مؤثرة. حزب الله، الذي تأسس عام 1982 كردٍّ على الاجتياح الإسرائيلي، يُمثِّل حالة فريدة لتحوُّل الميليشيا إلى دولة داخل الدولة

أدَّت حرب تموز 2006 إلى ترسيخ دوره كـ”مقاومة” ضد إسرائيل، لكنها أيضًا عمَّقت انقسامات الداخل اللبناني بين مؤيدٍ لسياساته العسكرية ورافضٍ لخروجه عن سلطة الدولة

لا يقتصر التحدي على حزب الله؛ فاتفاق الطائف (1989) الذي أنهى الحرب الأهلية نصَّ على نزع سلاح جميع الميليشيات، لكن تطبيقه بقي جزئيًا. تُشير تقديرات إلى أن 80% من الناخبين في بعض المناطق لا يزالون يُصوتون بناءً على الولاءات العائلية أو الطائفية

، مما يعكس استمرار تأثير شبكات الزبائنية التي أنشأتها الميليشيات سابقًا. يتطلَّب تجاوز هذا الإرث إصلاحًا أمنيًا شاملاً يعيد هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية لتصبح قادرة على فرض الاحتكار الشرعي للعنف، مع إدماج الميليشيات السابقة في هياكل الدولة عبر برامج إعادة تأهيل

معالجة روايات الحرب: نحو سردية وطنية موحَّدة

تعاني الذاكرة الجمعية اللبنانية من انقسام حادٍّ في روايات الحرب الأهلية؛ فكل طائفة تروي الأحداث من زاوية تضخّم دورها كـ”ضحية” أو “منتصر”. دراسة أجرتها “الدولية للمعلومات” (2021) تُظهر أن 58% من اللبنانيين يعتقدون أن رواية طائفتهم للصراع هي الأكثر دقة

  هذا الانقسام يعيق المصالحة الوطنية، ويُغذي استمرار التوترات الطائفية.

تجربة “هيئة الحقيقة والمصالحة” في جنوب أفريقيا تقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه، حيث ساهمت جلسات الاستماع العلنية في كشف الحقائق وتعويض الضحايا

  في لبنان، يمكن لهيئة مماثلة أن تعمل على توثيق الانتهاكات وتفكيك الروايات المتناقضة، مع إشراك المؤرخين والمجتمع المدني في صياغة سردية تعترف بمعاناة جميع الأطراف دون إنكار المسؤوليات الفردية

  كما أن إدراج تاريخ الحرب الأهلية في المناهج التعليمية بشكل موضوعي يُعدُّ خطوة ضرورية لبناء ذاكرة مشتركة لدى الأجيال الجديدة.

تداعيات الوجود الفلسطيني والصراع مع إسرائيل: إعادة تعريف الدور

أدَّى توافد اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان بعد نكبة 1948، ثم طرد منظمة التحرير من الأردن عام 1970، إلى تحوُّل المخيمات إلى بؤر للصراع الداخلي والإقليمي. كانت المشاركة الفلسطينية الفاعلة في الحرب الأهلية أحد العوامل التي عمَّقت الانقسامات، خاصة بعد تحالف بعض الفصائل مع الحركة الوطنية اللبنانية ضد القوات المسيحية

. اليوم، لا يزال نحو 174 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في ظل أوضاع معيشية صعيمة، مع حرمانهم من الحقوق المدنية الأساسية كامتلاك العقارات أو العمل في عشرات المهن

من جهة أخرى، أدَّت حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل إلى إعادة تعريف دور لبنان في الصراع العربي-الإسرائيلي. بينما يُصر الحزب على أن مقاومته “حمَّت لبنان من الاحتلال”، تُشير تقديرات إلى أن الحرب تسببت في دمار بنية تحتية بقيمة 15 مليار دولار

. يتطلَّب الخروج من هذه المعادلة اعترافًا متبادلًا بأن الأمن اللبناني لا يمكن فصله عن حل عادل للقضية الفلسطينية، مع العمل على تحويل المخيمات من مناطق مُهمَّشة إلى فضاءات مُنتجة عبر منح الفلسطينيين حقوقًا مدنية كاملة

 

نحو رؤية شاملة: إصلاح النظام وإعادة بناء الثقة

لا يمكن فصل حل إشكالية اللاتمثالية عن إعادة هيكلة النظام السياسي برمته. يتطلَّب ذلك:

  1. تبني نظام انتخابي يعتمد الدوائر الكبرى، كما تقترح مبادرة “لبنان للكل”، مع إلزام الأحزاب بتقديم برامج واضحة بدلًا من التحالفات الطائفية

  • إنشاء هيئة وطنية للحقيقة والمصالحة، تُعنى بتوثيق انتهاكات الحرب الأهلية وتعويض الضحايا، على أن تُصاغ توصياتها بقانون يُلزم الدولة بتنفيذها

  • دمج الميليشيات السابقة في مؤسسات الدولة، مع ضمان تدريب أفرادها على قيم المواطنة واحترام التعددية، بدلًا من استمرار ولائاتهم الخارجية

  • مراجعة سياسة اللاجئين الفلسطينيين، عبر منحهم حقوقًا مدنية كاملة وتسهيل اندماجهم الاقتصادي، مع العمل على إيجاد حل دائم لقضيتهم بالتوازي مع حل الصراع مع إسرائيل

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …