من الدوحة إلى دمشق: شراكة الطاقة وإعادة الاعمار … الشرع يقرر!

أعلنت قطر عن سلسلة من الاستثمارات الضخمة في سوريا تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، مع تركيز واضح على قطاع الطاقة الذي يعاني من تدهور حاد بعد 14 عامًا من الحرب. تتصدر هذه الجهود صفقة تاريخية بقيمة 7 مليارات دولار لبناء محطات كهرباء جديدة، إلى جانب مشاريع إغاثية فورية مثل إرسال سفن توليد الطاقة وشحنات الغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، تواجه هذه الاستثمارات تحديات جسيمة، أبرزها استمرار سرقة الكابلات الكهربائية وتخريب الشبكات، فضلًا عن التعقيدات السياسية والأمنية في بيئة ما بعد الحرب.

السياق التاريخي والسياسي لتدخل قطر في سوريا

التحول في الموقف القطري بعد سقوط نظام الأسد

بعد رحيل بشار الأسد في ديسمبر 2024، سارعت قطر إلى إعادة فتح سفارتها في دمشق

، وتعزيز حوارها مع الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع. جاء هذا التحول بعد سنوات من الدعم القطري للفصائل المعارضة، حيث قدمت الدوحة دعماً مالياً وعسكرياً للمعارضة السورية خلال الحرب الأهلية. اليوم، تُعد قطر شريكاً أساسياً في مرحلة إعادة الإعمار، مستفيدةً من علاقاتها الوثيقة مع تركيا والغرب

الإطار القانوني والدبلوماسي

تم توقيع سلسلة من الاتفاقيات الثنائية، منها مذكرة تفاهم في مايو 2025 لتفعيل “الشركة القطرية السورية القابضة”

، وإنشاء مجلس أعمال مشترك لتنظيم الاستثمارات. كما أعلن وزير الخارجية السوري عن خطط لربط النظام المصرفي السوري بالريال القطري

، في خطوة تهدف إلى تجاوز العقوبات الدولية السابقة.

استثمارات الطاقة: بين الإغاثة الفورية وإعادة الإعمار طويلة الأمد

الصفقة التاريخية بقيمة 7 مليارات دولار

في 29 مايو 2025، وقَّعت سوريا مع تحالف قطري-تركي اتفاقية لبناء 4 محطات غازية (سعة 4000 ميغاواط) ومحطة شمسية (1000 ميغاواط)

. تُعد هذه الصفقة الأكبر منذ رفع العقوبات الأمريكية، ومن المتوقع أن تضاعف القدرة الكهربائية الحالية للبلاد. وفقًا لوزير الطاقة السوري محمد البشير، ستُنفَّذ المحطة الشمسية خلال 20 شهرًا، بينما تستغرق المحطات الغازية 3.5 سنوات

 

الإغاثة الطارئة عبر الغاز المسال

قبل الصفقة الكبرى، قدمت قطر مساعدة فورية عبر شحنات الغاز الطبيعي المسال (LNG) عبر الأردن، بقدرة 2 مليون متر مكعب يوميًا، تكفي لتوليد 400 ميغاواط

. تهدف هذه الخطوة إلى زيادة ساعات التغذية الكهربائية في دمشق وريفها ومحافظات الجنوب من 4 إلى 6 ساعات يوميًا. من المخطط مضاعفة هذه الكميات لاحقًا

 

تحديات البنية التحتية المتهالكة

رغم هذه الاستثمارات، فإن 65% من شبكة النقل السورية إما مدمرة أو تحتاج لإصلاحات جذرية

. تقدِّر وزارة الطاقة تكلفة إصلاح الشبكة بـ5.5 مليار دولار، وهي مبالغ غير متوفرة في خزينة الدولة. يُضاف إلى ذلك استمرار سرقة الكابلات من قبل عصابات مسلحة، حيث تُسرق المعدات أسرع من قدرة الحكومة على إصلاحها الاستثمار في البنية التحتية: الموانئ والمناطق الصناعية

المنافسة مع الإمارات في قطاع الموانئ

في حين تركّز قطر على الطاقة، تفوَّقت الإمارات في قطاع الموانئ عبر اتفاقية مع “موانئ دبي العالمية” لتطوير ميناء طرطوس بمبلغ 800 مليون دولار

. لكن الدوحة تُظهر اهتمامًا غير مباشر عبر دعم المشاريع اللوجستية المرتبطة بخطوط الطاقة، مثل إنشاء موانئ جافة ومحطات شحن

 

الصناديق الاستثمارية والمشاريع المشتركة

أعلن رجال أعمال قطريون عن نيتهم إنشاء صناديق استثمارية مخصصة لسوريا، بالتعاون مع القطاع الخاص السوري

. من المتوقع أن تركّز هذه الصناديق على المناطق الصناعية في حمص وحلب، مع خطط لإنشاء مناطق حرة بمساحة مليون متر مربع

.


الدعم المالي وتمويل الأجور

منح مباشرة لمواجهة الأزمة الاقتصادية

قدَّمت قطر مع السعودية منحة طارئة بقيمة 87 مليون دولار لتغطية أجور الموظفين الحكوميين لمدة 3 أشهر

، مع احتمال تمديدها. كما ساهمت الدولتان في تسديد 15 مليون دولار من متأخرات سوريا للبنك الدولي

، مما مكَّن دمشق من الحصول على تمويل إضافي قيمته 180 مليون دولار.

آليات التمويل المُبتكرة

بحثت الدوحة مع دمشق إمكانية استخدام الريال القطري في المعاملات المصرفية

، وإنشاء خط ائتمان لتمويل الواردات الأساسية عبر البنوك القطرية

. هذه الخطوات تهدف إلى تخفيف الاعتماد على الدولار الأمريكي في ظل بقاء بعض العقوبات الثانوية.


التعاون الإقليمي والدولي

الشراكة مع تركيا والأردن

تعمل قطر بالتوازي مع تركيا على مشروع مشترك لإرسال سفن توليد الكهرباء إلى السواحل السورية

، بينما تتعاون مع الأردن في نقل الغاز المسال عبر أنبوب العرب

. هذا التنسيق الثلاثي يُعتبر محورياً لضمان استقرار الإمدادات الطاقة.

التفاعل مع المجتمع الدولي

حصلت الاستثمارات القطرية على دعم أمريكي ضمني، حيث رأت واشنطن فيها فرصة لإضعاف النفوذ الإيراني

. كما شارك المبعوث الأمريكي توماس باراك في حفل توقيع اتفاقية الـ7 مليارات دولار

، مما يعكس تغيرًا في الموقف الغربي تجاه دمشق.


التحديات والمخاطر

المخاطر الأمنية واستمرار النهب

تشير التقارير إلى أن العصابات المسلحة تستهدف شبكة الكهرباء بشكل منهجي، حيث تُسرق الكابلات المعدنية لبيعها في السوق السوداء

. أدى ذلك إلى خسائر تُقدَّر بملايين الدولارات شهريًا، مما يعرقل جهود الإصلاح.

التعقيدات البيروقراطية والفساد

تعاني سوريا من تراكم القوانين المعقدة التي تعود إلى عهد الأسد، مثل قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 الذي يفرض قيودًا على الملكية الأجنبية

. تتطلب معالجة هذه الإشكاليات إصلاحات تشريعية جذرية، لم تُعلن عنها الحكومة الجديدة بعد.

المنافسة الإقليمية

في الوقت الذي تركّز فيه قطر على الطاقة، تستثمر الإمارات في الموانئ

، بينما تتنافس السعودية وتركيا على النفوذ في القطاع المصرفي والعقاري

. هذا التعددية قد تؤدي إلى تضارب في الأولويات الإنمائية

نحو استراتيجية مستدامة

تُمثِّل استثمارات قطر في سوريا محاولة لخلق توازن بين الإغاثة الإنسانية الفورية وإعادة الإعمار الهيكلي. رغم التحديات، فإن التركيز على قطاع الطاقة – الذي يستهلك 40% من الموازنة السورية – قد يُعيد الحياة إلى القطاعات الإنتاجية. ومع ذلك، يحتاج نجاح هذه الاستثمارات إلى حل جذري لأزمة الأمن، وإصلاح النظام القانوني لجذب المزيد من الشركاء الدوليين. في النهاية، قد تُصبح سوريا اختبارًا لقدرة الدوحة على تحويل دبلوماسيتها الإقليمية إلى رافعة تنموية مستدامة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …