صحيفة “إصدار”: الزعامة الدموية

 

لم تكن شهوة وئام للسلطة تقتصر على إدارة صحيفة أو حتى التلاعب بمدينة. كانت شهوته أنثروبولوجية في جوهرها. هو لم يرد أن يكون مجرد مدير تحرير، بل أراد أن يكون “زعيماً” بالمعنى البدائي والأكثر رعباً للكلمة. زعيماً لا يُنتخب، بل يفرض نفسه من خلال هندسة الانهيارات الاجتماعية، ثم يقدم نفسه كالمخلص الوحيد من الفوضى التي صنعها. من منظوره، لم يكن يرتكب جرائم، بل كان يمارس طقوساً ضرورية لتفكيك النظام الاجتماعي القائم وإعادة بنائه على صورته، حيث الولاء لا يكون للدولة أو القانون، بل للخوف منه.

كان مكتبه هو المعبد، وآلته تعمل بدقة. فريقه من “جامعي الثغرات” – عثمان في طرابلس، سحّاق في ريف الشمال، مخايل في صيدا، وغسان في بيروت – كانوا أنثروبولوجيين ميدانيين يرسمون خرائط دقيقة للثغرات النفسية. بسام، مدير “تقنيات التعذيب الفني”، كان الكاهن الذي يحول البيانات إلى طقوس إذلال عامة عبر صحيفة “إصدار”.

لكن الحرب النفسية وحدها لا تكفي. أدرك وئام أن الأفراد “النظيفين”، أولئك الذين لا يملكون ما يخفونه ولا يمكن ابتزازهم، قد يقاومون. هؤلاء هم الخطر الحقيقي على مخططه. وهنا، استعان وئام بجيشه الموازي من تجار المخدرات وأصحاب السوابق لفرض العزلة القسرية.

كانت عملية دقيقة ومدروسة تهدف إلى تحويل عقل الضحية إلى سجنه الخاص.

تبدأ بسيمفونية من التهديدات الغامضة التي لا يمكن إثباتها. سيارة غريبة تقف لساعات أمام المنزل ثم تختفي. همسات تهديد لا يمكن تسجيلها. مكالمات هاتفية صامتة في منتصف الليل. الهدف ليس إخافة الضحية فحسب، بل تسليح عدم اليقين. كل حدث بحد ذاته تافه، لكن تكراره المنسق يحوله إلى نمط مرعب.

هنا، تبدأ الكماشة بالانغلاق. الضغط النفسي من الداخل عبر “إصدار”، والتهديد الغامض من الخارج. تجد الضحية نفسها في موقف مستحيل. لا يمكنها الذهاب للشرطة، فماذا ستقول؟ “هناك سيارة تقف في شارعي؟”. ستبدو كالمصابة بجنون الارتياب. وهنا تكمن عبقرية وئام الشيطانية: هو لا يجعل الضحية تبدو مجنونة في أعين الشرطة فقط، بل في أعين نفسها وأقرب الناس إليها.

عندما يحاول الهدف، مثل ابن عم عائلة الراوي المحامي “النظيف”، أن يشرح مخاوفه لزوجته أو أصدقائه، تبدو قصته مفككة وغير منطقية. “رجل نظر إليّ بطريقة غريبة… والسيارة نفسها رأيتها أمس… والمقال في ‘إصدار’ اليوم يتحدث عن ‘ضلالات الإجهاد المهني'”. نظرة الشفقة والقلق في عيونهم تكون أقسى من صفعة. يبدأون بنصحه بالراحة، بأخذ إجازة. هم لا يصدقونه، بل يرون فيه أعراض الانهيار التي تقرأ عنها “إصدار” يومياً.

هكذا، يتم عزله اجتماعياً. يصبح جزيرة من الرعب في محيط من الحياة الطبيعية. والأخطر من ذلك، أنه يبدأ في التشكيك في عقله. هل أنا أبالغ؟ هل أتخيل الأمور؟ هل أنا حقاً على وشك الانهيار كما يقول المقال؟

هذه هي ذروة الحرب النفسية: “التضليل الذاتي” (Auto-Gaslighting). وئام لا يحتاج إلى إقناع الضحية بأنها مجنونة؛ هو فقط يزرع البذور، والضحية، في محاولتها اليائسة لفهم ما يحدث، تقوم بري هذه البذور بنفسها حتى تنمو وتخنق كل منطق.

وهكذا، تم تحييد المحامي. لم يلمسه أحد، لم يهدده أحد صراحةً، لكنه انكفأ في منزله، يرتجف من ظل كل سيارة عابرة، ويشك في كل نية حسنة. لم يعد مصدراً موثوقاً به، بل أصبح عبئاً على عائلته، وشاهداً حياً على “الحقيقة” التي تروجها “إصدار”: أن آل الراوي تحت ضغط هائل، وأنهم يتصرفون بجنون.

بعد أن نجحت “هندسة البارانويا” في تحييد الحصن الأخير، عاد وئام إلى استراتيجيته الأم: تحويل العائلة إلى قاتل وضحية. فبعد أن تم عزل الصوت العاقل الوحيد، أصبح من السهل إقناع البقية بأن الحل الوحيد لحماية أنفسهم يكمن في استنساخ جريمتهم الأولى.

في الاجتماع العائلي، كانت كلمات جبران عن “التضحية” و”حماية الكيان” و”الفاعل الذي يجب أن يكون منا” هي النتيجة الحتمية لكل هذا التلاعب المنهجي. لقد أصبحوا مقتنعين بأن القتل الداخلي هو درعهم الوحيد ضد عالم خارجي لا يفهمونه، عالم يبدو أنه يتآمر عليهم، وهو بالضبط ما أرادهم وئام أن يؤمنوا به.

في مكتبه، ابتسم وئام. لقد نجح في تحويل العقل إلى ساحة معركة، وجعل الضحية هي من تطلق النار على نفسها. لقد أغلق كل أبواب النجاة، وحصّن مسرح جريمته بجدران من الصمت، والدم، والبارانويا المصنّعة بعناية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …