كانت لحظة تعبأة…

كيف يمكن للإنسان أن يؤطر علاقة حب؟ هذا السؤال، كسيف ديموقليس، معلق فوق رأسي منذ عام 2010. لم يكن سؤالاً عابراً، بل كان مهمة وجودية. في ذلك العام، اعتقدت أن الإجابات الكبرى تكمن في الأماكن الصغرى، وأن مفتاح فهم القلب قد يكون مخبأً في ملف إداري بإحدى وزارات الدولة.

كانت البداية بريئة. في خضم بحث صحفي (أو هكذا أقنعت نفسي)، طرأت على بالي فكرة عبقرية لكشف أسرار البيروقراطية اللبنانية: سأتقصى عن “زراعة التبولة”. هل التبولة نبتة قائمة بذاتها؟ هل هناك شتلات تبولة يمكن شراؤها من المشاتل الحكومية؟ هل تدعمها وزارة الزراعة؟ كانت الأسئلة سخيفة، لكنها مدخلي إلى عالم العبث.

لتحقيق هذا المسعى، احتجت إلى “واسطة”. وهنا دخل المشهد زميلي في العمل، دعنا نسميه “أبو نظير”. كان أبو نظير رجلاً عينه أضيق من ثقب الإبرة؛ لا يرى إلا نصف الصورة، ويشك في النصف الآخر، ويعتبر أي معلومة يملكها سراً نووياً. حين عرضت عليه مساعدتي للوصول إلى مصدر في وزارة الزراة، نظر إليّ بعينيه الصغيرتين وقال بنبرة المتآمر: “تبولة؟ موضوع حساس. فيه أبعاد استراتيجية”.

صدّقتُه للحظة. ربما كانت التبولة فعلاً قضية أمن قومي.

بعد يومين من المفاوضات الشاقة التي شعرْتُ خلالها أنني أطلب مخططات مفاعل ديمونة وليس معلومة عن طبق سلطة، وافق أبو نظير على مرافقتي. في السيارة، بدأ يلقي عليّ محاضرة في “فقه الحياة”. كان يعتقد أن القوة تكمن في التشدد الفكري، في عدم التنازل عن أي فكرة مهما كانت خاطئة. قال لي: “الشجرة اللي ما بتكسرها الريح، هي الشجرة اليابسة. كن يابساً يا صديقي”.

وصلنا إلى الوزارة. دخلنا مكتب موظف أنهكه الروتين وبدا وجهه كأنه استمارة غير معبأة. تقدم أبو نظير بثقة، وهمس للموظف وكأنه يبلغه عن شبكة تجسس: “لدينا استفسار حول زراعة التبولة”.

صمت الموظف للحظة، ثم رفع رأسه ببطء وقال: “التبولة… قصدك البقدونس؟ النعناع؟ البندورة؟”.
رد أبو نظير بحزم: “لا، لا. التبولة ككل. ككيان واحد. هل تزرعونها؟”.

نظر إلينا الموظف نظرة تمزج بين الشفقة والارتباك، وكأننا هربنا للتو من مصحة عقلية. سحب درج مكتبه، وأخرج نشرة إرشادية حول زراعة الخيار، وقدمها لنا قائلاً: “تفضلوا… هذه أقرب شيء لدينا”.

في طريق العودة، وأنا أحمل كتيّب زراعة الخيار كأنه شهادة هزيمتي، أدركتُ فجأة عدة أمور مصيرية. أدركت أن منطق أبو نظير الضيق، وتشدده الفكري، هو درعه الواقي من عبثية العالم. هو لا يحاول فهم العالم، بل يفرض عليه منطقه الخاص. وفي خضم تفكيري، التفتُ إليه وسألته سؤالاً لا علاقة له بشيء: “هل لديك أصدقاء كثيرون؟”. نظر إليّ بعينه الضيقة تلك وقال بحكمة زائفة: “الأصدقاء كالثوم، قليلهم مفيد وكثيرهم يؤذي السمعة… وفي لبنان، قلة قليلة يحبون اليهود”.

لا أعرف كيف قفز من الثوم إلى هذا الاستنتاج، لكن في تلك اللحظة، ضرب البرق عقلي. لقد فهمت كل شيء.

فهمت أن محاولتي “تأطير علاقة الحب” كانت سخيفة كمحاولة “زراعة التبولة”. الحب، مثله مثل التبولة، ليس كياناً واحداً يزرع، بل هو خلطة سحرية من مكونات مختلفة: بقدونس الثقة، نعناع الشغف، بندورة الألفة، وبرغل الأيام العادية. وأي محاولة لفرض إطار واحد عليها، أو فهمها بمنطق ضيق، ستنتهي بك حاملاً كتيّباً عن زراعة الخيار.

واكتشفت أن لمواجهة ضيق الأفق والتشدد الفكري عند الآخرين، لا بد من سلاح مضاد. ليس النقاش، بل العبث. تخيلت نفسي أطرّز فص ثوم صغير على ياقة قميصي كل صباح، كدرع رمزي، كإعلان صامت يقول: “أنا أعرف أن العالم سخيف، وأنا مستعد للعب”.

كانت لحظة تعبئة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …